minbar projects
Advertisement
إستخدام المعرفة في المجتمع
 
(2 أصوات)
الكاتب/ فريدرك إي. هايك

أولاً:

ما هي المشكلة التي نرغب في حلها عندما نحاول إنشاء نظام اقتصادي عقلاني؟ إن الإجابة على هذا السؤال بسيطة بما فيه الكفاية استناداً إلى افتراضات مألوفة معينة. فإن امتلكنا جميع المعلومات ذات الصلة وإن استطعنا البدء من نظام أولويات مفترض حتى وإن تملّكنا معرفة كاملة بوسائل متاحة، فإن المشكلة المتبقية سوف تتمثل بشكل محض في المنطق. وعليه، فإن الإجابة على سؤال ما هو أفضل استخدام للوسائل المتاحة سوف تكمن ضمنياً في افتراضاتنا. أما الشروط التي يجب أن يلبّيها حل هذه المشكلة المثالية فقد تم استخراجها تماماً وبالإمكان بيانها بشكل أفضل وفق شكل رياضي، أي باختصار شديد، أن المعدلات العادية للإحلال بين أية سلعتين أو عاملين يجب أن تكون هي نفسها في كافة استخداماتها المتباينة.

ومع ذلك، فان هذه المشكلة ليست، بكل تأكيد، هي المشكلة الاقتصادية التي يواجهها المجتمع لأن حساب التفاضل والتكامل الاقتصادي الذي قمنا بتطويره لحل هذه المشكلة المنطقية، بالرغم من كونه خطوة هامة باتجاه حل مشكلة المجتمع الاقتصادية، لم يقدم إلى الآن إجابة عليها. والسبب في ذلك هو أن "البيانات" التي بدأ منها حساب التفاضل والتكامل الاقتصادي لم تكن "مقدَّمة" على الإطلاق، بالنسبة للمجتمع ككل، إلى عقل منفرد والذي يستطيع استخراج المضامين وأنه لا يمكن أن يتم تقديمه على هذا النحو إطلاقاً.

يمكن تحديد الخاصية الغريبة لمشكلة النظام الاقتصادي العقلاني، بشكل دقيق، من خلال حقيقة كون معرفة الشروط التي يجب علينا أن نستخدمها ليست موجودة على الإطلاق سواء بالشكل المركز أو المتكامل، إلا أنها موجودة فقط بشكل نتف مبعثرة من معرفة منقوصة وفي أحيان كثيرة تكون متناقضة يملكها كافة الأفراد غير المجتمعين. وهكذا، فالمشكلة الاقتصادية للمجتمع ليست مجرد مشكلة كيفية تخصيص مصادر "مقدَّمة"—إذا اعتبرنا معنى كلمة "مقدَّمة" بأنها مقدَّمة إلى عقل شخص منفرد والذي سوف يحل، بشكل مدروس، المشكلة التي تطرحها هذه "البيانات". فهي، بالأحرى، مشكلة تتمثل في كيفية ضمان أفضل استخدام لمصادر معروفة لأي فرد في المجتمع في سبيل غايات يعرف أهميتها النسبية هؤلاء الأفراد فقط، أو أنها، باختصار، مشكلة الاستنفاع بمعرفة لم يتم تقديمها لأي فرد من الناحية الإجمالية.

وباعتقادي أن خاصية المشكلة الأساسية قد تم حجبها أكثر من كونه قد تم تسليط الضوء عليها من قبل الكثير من تصفيات النظرية الاقتصادية التي تمت حديثاً وعلى وجه الخصوص من قبل الاستخدامات الكثيرة التي قامت بها علوم الرياضيات. وبالرغم من أن المشكلة التي أرغب أساساً بالتعامل معها في هذه الدراسة هي مشكلة تنظيم اقتصادي عقلاني، فإنها، في هذا المضمار، ستفضي بي مرات ومرات إلى أن أشير إلى صلاتها القريبة بمسائل منهجية معينة. هناك الكثير من النقاط التي ارغب في صياغتها هي بالفعل عبارة عن استنتاجات تلاقت بها، بشكل غير متوقع، مسالك متنوعة من التفكير المنطقي. ولكن، حسب رؤيتي الحالية لهذه المشاكل، فإنه لا توجد هناك أية مصادفة. فقد يبدو لي بأن الكثير من المنازعات الناشبة حالياً فيما يخص كلاً من النظرية الاقتصادية والسياسة الاقتصادية لديها منشأ مشترك من التصور الخاطئ حول طبيعة مشكلة المجتمع الاقتصادية، ويعود هذا التصور الخاطئ، بدوره، إلى التحول الخاطئ نحو ظاهرة اجتماعية من عادات التفكير قمنا بتطويرها في التعامل مع ظواهر الطبيعة.

ثانياً:

يمكن وصف كلمة "تخطيط" باللغة الدارجة بأنها تركيبة من القرارات المتداخلة يتم اتخاذها حول تخصيص مصادرنا المتاحة. وضمن هذا المفهوم تعتبر كافة الأنشطة الاقتصادية تخطيطاً؛ وأن هذا التخطيط، مهما كان الفرد الذي يقوم به في أي مجتمع يكون الكثير من أفراده متعاونين، يجب أن يستند، بالنسبة لبعض المقاييس، إلى المعرفة التي، تكون منذ الوهلة الأولى، ليست مقدَّمة إلى الشخص المُخطِّط بل لشخص آخر، الذي يجب عليه، إلى حد ما، أن يقوم بإيصالها إلى الشخص المُخطِّط. إن الطرق المتنوعة التي يتم بها توصيل المعرفة والتي يعتمد عليها الأفراد في خططهم هي المشكلة الحاسمة بالنسبة لأية نظرية تقوم بشرح العملية الاقتصادية، وإن مشكلة ما هي أفضل طريقة للاستفادة من المعرفة التي تتناثر، بشكل مبدأي، بين كافة الأفراد هي على أقل تقدير إحدى المشاكل الرئيسية للسياسة الاقتصادية—أو لتصميم نظام اقتصادي فعال.

ترتبط الإجابة على هذا التساؤل بشكل وثيق بذلك التساؤل الآخر الذي ينشأ هنا وهو مَن الشخص الذي يجب عليه أن يقوم بالتخطيط. فهي إذن حول هذا التساؤل تتركز كافة المنازعات التي تثور حول "التخطيط الاقتصادي". إنه ليس بالنزاع فيما إذا كان من الواجب إنجاز التخطيط أم لا، بل هو نزاع فيما إذا كان من الواجب أن يتم القيام بالتخطيط بشكل مركزي من قبل سلطة (هيئة) واحدة بالنسبة لكامل النظام الاقتصادي أم يجب أن يقسم بين أفراد كثيرين. والتخطيط في معناه المحدد، حيث يتم استخدام المصطلح في مجادلات معاصرة، يعني بالضرورة التخطيط المركزي، أي جهة كامل النظام الاقتصادي طبقاً لخطة موحدة واحدة. من جهة أخرى، تعني المنافسة أن يتم التخطيط اللامركزي من قبل كثير من الأشخاص المنفصلين. أما الموقع الكائن في منتصف الطريق بين الجانبين والذي يتحدث حوله الكثير من الناس إلا أن القليل منهم يرغب في رؤيته، فهو أن يتم تفويض التخطيط إلى صناعات منظمة أو بمعنى آخر إلى احتكار.

يعتمد أي نظام من هذه الأنظمة، والذي يكون على الأرجح أكثر فاعلية، بشــكل رئيسي على مسألة أي منها يمكن لنا أن نتوقع منه أن يقوم باستخدام المعرفة القائمة حالياً الاسـتخدام الأكبر، وهذا بدوره يتوقف على كوننا سوف نحقق، على وجه التقريب، نجاحاً بحيث نتمكن من وضع كامل المعرفة التي يتوجب استخدامها تحت تصرف سلطة مركزية منفردة غير أن تلك المعرفة مبعثرة من الناحية المبدئية بين كثير من الأفراد المتباينين، أو أن نتمكن من توصيل مثل تلك المعرفة الإضافية إلى الأفراد حسب حاجتهم كي يتمكنوا من تكييف خططهم مع تلك التي لدى الآخرين.

ثالثاً:

في نفس الوقت، سوف يكون من الواضح بأن الوضع الذي يدور حول هذه النقطة مختلفاً بالنسبة لأنواع المعرفة المتباينة وأن الإجابة على سؤالنا ستكون، بناء على ذلك، معتمدة إلى حد كبير على الأهمية النسبية لأنواع المعرفة المتباينة، أي تلك التي، من المرجح، أن تكون تحت تصرف أفراد معنيين وتلك التي يجب علينا أن نتوقع، بثقة أكبر، أن نجدها في حيازة سلطة مكونة من خبراء تم اختيارهم بالشكل المناسب. وإذا ما جرى، في هذه الأيام، الافتراض على نطاق واسع بأن الأمر الأخير سوف يكون في الوضع الأفضل، نظراً لأن هناك نوع واحد من المعرفة وبالتحديد المعرفة العلمية يحتل، في الوقت الحالي، مكاناً بارزاً جداً في تصور عام والذي نميل إلى أن ننسى بأنه ليس هو النوع الوحيد الذي له صلة بالموضوع. وقد يتم الإقرار، بقدر ما يتعلق الأمر بالمعرفة العلمية، بأن كياناً مؤلفاً من خبراء تم اختيارهم بالشكل المناسب قد يكون في الوضع الأفضل ليسيطر على أفضل المعارف المتاحة جميعها، مع أن مثل ذلك سوف يكون بالطبع مجرد تحويل الصعوبة إلى مشكلة في اختيار الخبراء. وما أود الإشارة إليه هو أن ذلك عبارة عن مجرد جزء صغير من المشكلة الأكبر، حتى في حالة الافتراض بأن حل هذه المشكلة سيتم دونما صعوبة.

في الوقت الحالي، سيكون، في أغلب الأحوال، من الهرطقة أن يتم الافتراض بأن المعرفة العلمية ليست هي مجموع المعارف بالكامل. ولكن من خلال انعكاس بسيط، سوف يتبين بأن هناك، دونما شك، كياناً ذو معرفة هامة جداً لكنها غير منظمة والتي ليس من الممكن أن تسمى علمية ضمن مفهوم معرفة القواعد العامة: أي معرفة الشروط الخاصة بالزمان والمكان، وهي أنه، فيما يتعلق بهذا الأمر، من الناحية العملية، لدى كل فرد بعض المزايا التي تفوق الآخرين جميعاً نظراً لكونه حائزاً على معلومات فريدة من نوعها والتي يمكن أن يتحقق الاستفادة منها، لكن مثل ذلك الاستخدام يمكن أن يتحقق فقط في حال ترك اتخاذ القرارات من قبله أو أن يتم اتخاذها مع وجود تعاون فعال معه. إننا بحاجة إلى أن نتذكر فقط كم علينا أن نتعلم في أية مهنة بعد أن نكون قد أكملنا تعليمنا النظري وكم يكون كبيراً ذلك الجزء من حياتنا العملية التي نمضيها في تعلم وظائف معينة وكم يكون المكسب قيماً، في شتى مناحي الحياة، عند القيام بمعرفة الناس وبمعرفة الشروط المحلية وبمعرفة الشروط الخاصة. ولكي نعرف ونستخدم آلة معينة لم يتم استخدامها بالكامل أو لكي نعرف ونستخدم مهارات شخص معين يمكن الاستفادة منه على النحو الأفضل أو لكي نكون على علم بمخزون فائض بحيث يمكن استخراجه خلال فترة انقطاع التوريدات هو أمر، من الناحية الاجتماعية، مفيد للغاية تماماً كمعرفة أساليب فنية بديلة أفضل. فالشاحن الذي يكسب رزقه من استخدام رحلات بحرية فارغة أو نصف مملوءة من القوارب المتجولة أو وكيل العقارات الذي تكون كامل معرفته محصورة، في الغالب، في إحدى الفرص المؤقتة أو المضارب المالي الذي يكسب من الفروقات الموضعية في أسعار السلع، هؤلاء كلهم يؤدون مهام مفيدة بشكل كبير تسـتند إلى معرفة خاصة بظروف لحظية سريعة الزوال ليست معروفة من قبل الآخرين.

ومن الحقائق الطريفة، في هذه الأيام، أن يتم، بشكل عام، النظر إلى هذا النوع من المعرفة بشيء من الازدراء وأن أي فرد يكتسب، بفضل مثل تلك المعرفة، ميزة تتفوق على شخص ما مجهز بشكل أفضل بمعرفة نظرية أو فنية، يعتقد (بضم الياء) بأنه قد تصرف بشكل مسيء تقريباً. إن كسب مزية من مزايا أفضل المعارف يتم بها معرفة تسهيلات الاتصالات أو المواصلات سوف ينظر إليه، في بعض الأحيان، باعتباره مخادعة، بالرغم من أهمية استفادة المجتمع من الفرص الأفضل في هذا الصدد تماماً كأهمية استخدام أحدث الاكتشافات العلمية. ووفقاً لأحد المقاييس الهامة، فقد عمل هذا التعصب على التأثير على الموقف الذي تم اتخاذه تجاه التجارة عموماً إذا ما قورن بالموقف تجاه الإنتاج. وحتى علماء الاقتصاد الذين يعتبرون أنفسهم محصنون، على وجه التحديد، ضد مغالطات الماضي المادية الفجة يرتكبون على الدوام نفس الخطأ لكون الأمر متعلق بأنشطة تم توجيهها إلى امتلاك مثل تلك المعرفة العملية، وذلك، كما هو واضح، لأن مثل تلك المعرفة بكاملها من المفترض أن تكون "مقدَّمة" وفق مخطط الأشياء الخاصة بها. ويبدو، في الوقت الحالي، أن الفكرة العامة تتمثل في أن مثل تلك المعارف جميعها يجب أن تكون تحت سيطرة كل فرد دونما صعوبة باعتبار أنها مسألة طبيعية، وأن نهج اللاعقلانية الذي جرى توجيهه ضد النظام الاقتصادي القائم حالياً يستند، مراراً وتكراراً، إلى حقيقة كونه غير متاح حسب هذه الكيفية. ووجهة النظر هذه تقوم بإهمال حقيقة كون الطريقة، والتي بموجبها يمكن جعل مثل تلك المعرفة متاحة بمقدار كبير قدر المستطاع، هي، بشكل دقيق، عبارة عن المشكلة التي يجب علينا أن نجد إجابة عليها.

رابعاً:

إذا كان من الرقي، في الوقت الحالي، أن يتم التقليل من أهمية معرفة الشروط الزمانية والمكانية الخاصة، فإن ذلك له صلة وثيقة بالأهمية الأقل التي ترتبط حالياً بتغيير تلك الصفة. هنالك، بالفعل، بضعة نقاط، والتي يتم بناء الافتراضات عليها (عادة بشكل ضمني فقط) من قبل "المخططين"، تكون مختلفة عن تلك النقاط الخاصة بالخصوم بنفس القدر المتعلق بمغزى وتكرار التغييرات التي سوف تجعل من التغييرات الجوهرية في خطط الإنتاج ضرورة. طبعاً، إذا كان بالإمكان وضع خطط اقتصادية مفصلة لمدد طويلة مسبقاً بشكل فعلي ومن ثم يتم بعد ذلك الالتزام بها بشكل وثيق بحيث لا يستدعي اتخاذ المزيد من القرارات الاقتصادية الهامة، فان مهمة صياغة خطة شاملة تحكم نشاطاً اقتصادياً كاملاً سوف تكون أقل رهبة إلى درجة كبيرة.

ربما يستحق التأكيد على أن المشاكل الاقتصادية تنشب، على الدوام وفقط، في أعقاب التغيير. وطالما تستمر الأشياء وفق ما تم ذكره آنفاً أو على الأقل وفق ما تم توقعه منها، فسوف لن تنشب أية مشاكل جديدة تستلزم اتخاذ قرار ولن تكون هناك حاجة إلى تشكيل خطة جديدة. إن الاعتقاد بأن التغييرات، أو على الأقل التعديلات التي تتم يومياً، قد أصبحت أقل أهمية في الأزمان الحديثة يدل ضمنياً إلى الاقتناع بأن المشاكل الاقتصادية قد أصبحت أيضا أقل أهمية، وأن هذا الاعتقاد في الأهمية المتناقصة للتغيير هو، لهذا السبب، مدعوم من قبل نفس الأفراد الذين يجادلون بأن أهمية الاعتبار الاقتصادي قد تم دفعها إلى الخلفية بفعل الأهمية المتزايدة للمعرفة التكنولوجية.

هل من الحقيقة أن تكون القرارات الاقتصادية، مع وجود جهاز مفصل من الإنتاج الحديث، مطلوبة وفق فواصل زمنية طويلة فقط كما هو الحال عندما يتم إنشاء مصنع جديد أو عندما يتم تقديم عملية جديدة؟ هل من الحقيقة بأن يكون المتبقي، في حال تشييد منشأة، عبارة عن جانب ميكانيكي نوعاً ما والذي يتم تحديده من خلال شخصية المنشأة وأنه يتم ترك القليل في سبيل إجراء التغيير عليه وذلك للتكيف مع الشروط اللحظية التي تتغير بدون توقف؟

إن الاعتقاد بالإثبات الواسع الانتشار فعلاً، بقدر ما يمكنني أن أتيقن منه، لا يتم تأكيده من خلال الخبرة العملية لرجل الأعمال. ففي الصناعة التنافسية، حسب أي تقييم حيث بالإمكان أن تشكل تلك الصناعة بمفردها بمثابة اختبار، تستدعي مهمة الإبقاء على التكلفة دون أن يتم رفعها أن يكون هناك كفاحاً مستديماً بحيث يمتص الجزء الكبير من طاقة المدير. فكم يكون من السهل بالنسبة للمدير غير الفعال أن يقوم بتبديد الفروقات التي ترتكز عليها الأرباح، وأنه، بوجود نفس التسهيلات الفنية، يمكن أن يتم الإنتاج مع وجود تنوع من التكاليف، وهذه هي من بين الأشياء الشائعة في مجال خبرات الأعمال التجارية التي لا يظهر بأنها ستكون مألوفة وفق مستوى واحد في الدراسة التي يجريها علماء الاقتصاد. وتعتبر قوة الرغبة ذاتها، التي يرددها باستمرار منتجون ومهندسون والتي تسمح لهم بالمضي قدماً دونما إعاقة من قبل اعتبارات التكاليف النقدية، بمثابة شهادة بليغة تدل على المدى الذي تدخل فيه هذه العوامل إلى الأعمال اليومية الخاصة بها.

ومن الأسباب التي تجعل علماء الاقتصاد، وبشكل متزايد، أن يكونوا عرضة لنسيان التغييرات البسيطة المتواصلة هو، ربما، انشغالهم المسبق المتزايد في الاجماليات الإحصائية التي تظهر وجود ثبات (استقرار) كبير جداً أكبر من حركات التفصيل. ومع ذلك، فمن غير الممكن أن تقوم إجماليات الثبات النسبي ببيان السبب والذي يبدو أن يميل إليه الإحصائيون من وقت لآخر من خلال "قانون الأعداد الضخمة" أو التعويض المتبادل للتغييرات العشوائية. إن عدد العناصر التي يجب علينا أن نتعامل معها ليس كبيراً بما فيه الكفاية بالنسبة لمثل تلك القوى العرضية بغرض استخراج الثبات. ويتم الحفاظ على التدفق المتواصل للسلع والخدمات من خلال التعديلات المدروسة المستديمة وبفعل التصريفات الجديدة التي تتم يومياً في ضوء ظروف غير معروفة في اليوم الذي يسبقه ومن خلال دخول "ب" في نفس الوقت عندما يخفق "أ" في التسليم. حتى المصنع ذو الآلية الضخمة والمرتفعة يديم التشغيل على نطاق واسع بسبب وجود بيئة تمكنه من أن يستعمل كافة أنواع الاحتياجات غير المتوقعة، كالقرميد لسطحه والقرطاسية لنماذجه وكافة أنواع التجهيزات البالغة ألف نوع ونوع والتي لا يمكنه أن يكون مكتفياً ذاتياً والتي تتطلب الخطط الخاصة بتشغيل المصنع بأن تكون متاحة فوراً في السوق.

ربما تكون هذه هي النقطة التي يجب أن أذكر فيها، بشكل مختصر، حقيقة أن صنف المعرفة، الذي يثير اهتمامي، هو معرفة النوع والتي بطبيعتها لا يمكنها الدخول في إحصائيات، وبناء على ذلك، ليس من الممكن توصيلها إلى أية سلطة مركزية وفق شكل إحصائي. إن الإحصائيات التي يجب على مثل تلك السلطة المركزية أن تستخدمها يجب أن تصل بشكل دقيق وذلك من خلال القيام بعملية الطرح من الفروقات الصغيرة بين الأشياء، عند تجميعها معاً كموارد من نوع واحد، تلك البنود التي تختلف من ناحية الموقع والنوعية والتفاصيل الأخرى، وذلك بطريقة يجوز أن تكون جوهرية جداً بالنسبة لاتخاذ القرار الخاص. يعقب ذلك كون التخطيط المركزي القائم على المعلومات الإحصائية غير قادر، بطبيعته، أن يأخذ بالاعتبار، بشكل مباشر، هذه الشروط الزمانية والمكانية وأنه يجب على المخطط المركزي أن يجد طريقة معينة أو بطريقة بأخرى بحيث يكون باســتطاعته أن يترك القرارات التي يعتمد عليها لاتخاذها من قبل "الرجل المســـؤول".

خامساً:

إن أمكنّا أن نتفق على أن المشكلة الاقتصادية في المجتمع هي بشكل رئيسي نوع من التكيف السريع مع التغييرات في الشروط الزمانية والمكانية الخاصة فسوف يظهر بأن ما يعقب ذلك هو وجوب ترك القرارات الختامية بحيث يتخذها الأفراد الذين اعتادوا على هذه الشروط والذين هم على علم مباشر بالتغييرات ذات الصلة وبالموارد المتاحة الفورية للوفاء بها. وليس بإمكاننا أن نتوقع بأن هذه المشكلة سيتم حلها من خلال توصيل كافة المعلومات في المقام الأول إلى المجلس المركزي والذي يقوم، بعد أن يتم دمج كافة المعرفة، بإصدار أوامره. يجب علينا أن نحلها من خلال شكل من أشكال اللامركزية، غير أن ذلك يلبي فقط جزءاً من المشكلة التي لدينا. نحن بحاجة إلى اللامركزية لأن مثل ذلك سوف يمكّننا بأن نضمن بأنه سيتم استخدام معرفة الشروط الزمانية والمكانية الخاصة بطريقة فورية. لكن "الرجل المسؤول" ليس بإمكانه أن يتخذ قراراً بشكل منفرد استناداً إلى معرفته المحدودة لكنها معرفة وثيقة خاصة بحقائق محيطه المباشر. وهنا ما تزال مشكلة توصيل مثل تلك المعلومات الأخرى إليه باقية بما أنه بحاجة إليها لكي يكيف قراراته وفقاً للنمط الكلي لتغييرات النظام الاقتصادي الأكبر.

ما مقدار المعرفة التي يحتاج إليها لإنجاز ذلك بنجاح؟ أي من هذه الأحداث التي تحدث خلف أفق معرفته الفورية يكون لها صلة بقراره الفوري وما هو مقدارها الذي يحتاج هو إلى معـرفته؟

نادراً ما تجد شيئاً ما يحدث في مكان ما في العالم ليس له تأثير على القرار الذي يجب عليه أن يتخذه. غير أنه ليس بحاجة إلى معرفة هذه الأحداث على هذا الشكل ولا هو بحاجة إلى معرفة كافة تأثيراتها. فهو، بالنسبة له، لا يعنيه لماذا تكون البراغي ذات الحجم المعين مطلوبة في لحظة معينة أكثر من الحجم الآخر ولماذا تكون الأكياس الورقية متوفرة بشكل فوري أكثر من أكياس الخيش أو لماذا أصبحت العمالة الماهرة أو أدوات آلة معينة، في لحظة، أكثر صعوبة في الحصول عليها. إن كل ما يعتبر مهماً بالنسبة له هو تقريباً ما مقدار تدبير ما وصلوا إليه عند المقارنة مع أشياء أخرى يوجد لديه ارتباط بها أيضاً أو ما مقدار الأشياء البديلة المطلوبة بشكل عاجل تقريباً والتي يقوم هو بإنتاجها أو باستخدامها. فالأمر دائماً عبارة عن سؤال له أهمية نسبية يدور حول أشياء لديه ارتباط بها وتكون الأسباب التي تعمل على تغيير أهميتها النسبية ليست ذات شأن بالنسبة له أكثر من التأثير الذي يقع على تلك الأشياء الملموسة في بيئته الخاصة به.

وفي هذا الصدد، قمت بإطلاق اسم "التفاضل والتكامل الاقتصادي" عليها بحيث يكون مناسبة لمساعدتنا من خلال "القياس" على أقل تقدير، لمعرفة كيف يمكن حل هذه المشكلة والتي هي، في الحقيقة، قد يتم حلها بواسطة نظام الأسعار. حتى العقل المنفرد المسيطر والذي يكون في حيازته كافة البيانات الخاصة بنظام اقتصادي صغير ذاتي الاكتفاء سوف لن يتفحص بوضوح، حيث يتم في كل مرة إجراء بعض التعديلات البسيطة على تخصيص المصادر، كافة العلاقات القائمة بين الغايات والوسائل التي من المحتمل أن تكون قد تأثرت. في الواقع، إنه إسهام عظيم يقوم به منطق الاختيار المحض حيث أنه أثبت بشكل قاطع بأن بإمكانه، حتى مثل ذلك العقل المنفرد، أن يحل هذا النوع من المشاكل فقط من خلال إنشاء واستخدام، وبشكل متواصل، معدلات التكافؤ (أو "القيم" أو "المعدلات العادية للإحلال")، أي من خلال ربط مؤشر رقمي بكل نوع من أنواع المصادر النادرة حيث أن ذلك المؤشر الرقمي لا يمكن اشتقاقه من أية خاصية يتم امتلاكها من قبل ذلك الشيء الخاص، غير أنه يعكس أهميتها، أو أن يتم اقتضابها، بناء على تركيبة الوسيلة-الغاية الكاملة. وفي أي تغيير بسيط يتم إجراؤه، يجب عليه أن يفكر في هذه المؤشرات المتعلقة بالكميات فقط (أو "القيم") التي تم عليها تركيز كافة المعلومات ذات الصلة، وأنه، من خلال تعديل الكميات واحدة تلو الأخرى، قادر على إعادة تنظيم تصريفاته بالشكل اللائق دون أن يكون قد حل الأحجية كلها من البداية أو دون الحاجة، في أية مرحلة، إلى استعراضها فجأة في جميع تشــعّباتها.

من الناحية الأساسية، تستطيع الأسعار، في أي نظام تتم به بعثرة المعرفة الخاصة بالحقائق ذات الصلة بين أفراد كثيرين، أن تتصرف للتنسيق بين الأعمال المنفصلة لأفراد مختلفين وفق نفس الطريقة التي تقوم بها القيم الذاتية بمساعدة الفرد على التنسيق بين أجزاء خطته. ويجدر بالذكر أن نتأمل للحظة واحدة أحد الأمثلة البسيطة والشائعة جداً على نظام الأسعار لنرى بشكل دقيق إنجازاته. لنفترض بأن هناك في مكان ما في العالم توجد فرصة جديدة سانحة لاستخدام بعض المواد الخام ولِنَقُل أنها معدن القصدير (التنك) أو أن أحد مصادر توريد القصدير قد تم استبعاده. بالنسبة لغرضنا، هذا الأمر ليس له أهمية والشيء المهم جداً أن يكون بلا أهمية حيث أن أي سبب من هذين السببين قد يجعل القصدير أكثر ندرة. وكل ما يحتاج مستخدمو القصدير إلى معرفته هو أن بعض القصدير الذين هم معتادون على استهلاكه يتم في الوقت الحالي استخدامه بشكل أكثر ربحاً في مكان آخر وأنه، نتيجة ذلك، يتوجب عليهم أن يقتصدوا في القصدير. بالنسبة للأغلبية العظمى منهم ليس هناك حاجة حتى إلى معرفة المكان الذي نشأت منه الحاجة الملحة لذلك أو لصالح أية احتياجات أخرى يجب عليهم أن يقتصدوا بالمخزون. إذا كان بعض منهم فقط يعرفون بشكل مباشر عن الطلب الجديد ليقوموا بتحويل المصادر تجاهه وإذا كان الأفراد، الذين هم على دراية بالفجوة الجديدة التي تكونت بشكل دوري، قاموا بملئها من مصادر أخرى ما تزال قائمة، فان تأثير ذلك سوف ينتشر بسرعة في كافة أنحاء النظام الاقتصادي بكامله والتأثير لا يقع فقط على جميع استخدامات التنك بل أيضاً على بدائله تلك وبدائل هذه البدائل وإمدادات كافة الأشياء المصنوعة من التنك وبدائلها وهلم جراً، ويتم ذلك كله دون قيام الأغلبية العظمى بالتوسط لجلب هذه البدائل غير مدركين بتاتاً بالسبب الأصلي لهذه التغييرات. لقد تصرف الجميع على أساس سوق واحد، ليس بسبب قيام أي من أعضائه بمسح ميداني شامل بل بسبب تداخل مجالات رؤيتهم الفردية المحدودة بالشكل الكافي بحيث يتم توصيل المعلومات ذات الصلة إلى الجميع من خلال وسطاء كثيرين. والحقيقة المجردة هي أن هناك سعر واحد لأية سلعة، أو بالأحرى أن تكون الأسعار المحلية مرتبطة بطريقة يتم تحديدها من خلال تكلفة النقل وغيرها، وهو الذي يجلب معه الحل (يمكن ذلك بشكل تصوري فقط) الذي كان قد تم التوصل إليه بفعل فكر فردي حائز على كافة المعلومات التي تكون في حقيقة الأمر مبعثرة ما بين الأفراد جميعاً المنخرطين في هذه العملية.

سادساً:

يجب علينا أن ننظر إلى نظام الأسعار على أساس كونه آلية خاصة بتوصيل المعلومات إذا أردنا أن نفهم وظيفته الحقيقية، وهي وظيفة تقوم، طبعاً، بأداء أقل اكتمالاً بما أن الأسعار تزيد بشكل أكثر صرامة. (ولكن حتى عندما تصبح الأسعار المعروضة صارمة تماماً، فان القوى التي ستعمل من خلال التغييرات في الأسعار ما تزال تعمل إلى مدى لا يستهان به من خلال التغييرات التي تتم في شروط العقد الأخرى.) والحقيقة الأكثر أهمية حول هذا النظام تكمن في اقتصاد المعرفة الذي يعمل بموجبه أو المقدار الصغير الذي يحتاج المشاركون الفرديون إلى معرفته لكي يتمكنوا من اتخاذ الإجراء الصحيح. وبشكل مختصر ووفق أي نوع من الرموز، يتم تمرير المعلومات ذات الأهمية الأكبر فقط ويتم التمرير إلى أولئك الأفراد المعنيين فقط. إنه لشيء أكثر من أن يكون كناية لغوية بأن يتم وصف نظام الأسعار على أنه نوع من الآلية الخاصة بتسجيل التغييرات أو أنه نظام إتصالات سلكية ولاسلكية تعمل على تمكين منتجين أفراد على مراقبة مجرد حركة مؤشرات قليلة كما هو الحال لدى مهندس يقوم بمراقبة أذرع بضعة أقراص مرقمة كي يقوم بضبط وتعديل أنشطتها وفقاً للتغييرات حيث من الجائز أن لا يكونوا، على الإطلاق، على علم بأكثر مما هو منعكس في حركة الأسعار.

طبعاً، من المحتمل أن تكون هذه التعديلات غير "كاملة" إطلاقاً حسب المفهوم الذي يتصوره عالم الاقتصاد منها في تحليله للتوازن. لكنني أخشى أن تكون عادتنا النظرية في تناول المشكلة، مع وجود افتراض المعرفة الكاملة تقريباً من جانب كل فرد تقريباً، قد جعلتنا نغفل إلى حد ما الوظيفة الحقيقية لآلية الأسعار وتقودنا إلى تطبيق معايير هي بالأحرى مضللة في الحكم على فعاليتها. والأعجوبة في ذلك هي أنه في حالة كهذه الحالة من ندرة إحدى المواد الخام، دون أن يكون قد تم إصدار أي أمر، وربما دون وجود أكثر من حفنة من الأفراد الذين يعرفون السبب، هناك عشرات الآلاف من الأفراد الذين ليس من الممكن التيقن من هويتهم من خلال التحقيق الذي سيجري على مدى شهور قد اضطروا إلى استخدام المادة أو منتجاتها بشكل أكثر اقتصاداً، بمعنى أنهم تحركوا في الاتجاه الصحيح. ويعتبر ذلك بمثابة أعجوبة بما فيه الكفاية حتى وإن لم يتفق الجميع، في عالم سريع التغير، بشكل كلي تام على أنه سيتم الحفاظ على معدلات أرباحهم وفق نفس المستوى الدائم أو "العادي".

لقد قمت باستخدام كلمة "أُعجوبة" بشكل مقصود من أجل أن أصدم القارئ بفعل الراحة التي نشعر بها، في أغلب الأحيان، عندما نأخذ عمل هذه الآلية على أساس كونه أمراً مسلَّماً به. إنني على قناعة بأنه إذا كانت إحدى نتائج تصاميم الإنسان المدروسة وأنه إذا فهم الأفراد الذين توجههم تغييرات الأسعار بأن لقراراتهم مغزى أبعد بكثير من أهدافهم الفورية، فإنه يتوجب أن يتم التهليل لهذه الآلية لكونها إحدى الانتصارات العظمى التي حققها عقل الإنسان. ويتمثل سوء حظها المزدوج في كونها ليست من إنتاج التصميم البشري وأن الناس الذين تقوم بتوجيههم في العادة لا يعرفون لمَ يجب عليهم أن يعملوا ما هم يقومون بعمله. ولكن يجب على أولئك، الذين يهللون "للتوجيه الواعي" والذين لا يمكنهم أن يؤمنوا بأن أي شيء نشأ وتطور بدون تصميم (وحتى دون أن نفهمه) يجب أن يحل المشاكل التي ليس باستطاعتنا أن نحلها عن وعي، أن يتذكروا ما يلي: تكمن المشكلة بشكل دقيق في كيفية تطويل مدى استفادتنا من المصادر بامتداد أبعد من مدى تحكم عقل أي فرد، وبالتالي، في كيفية الاستغناء عن الحاجة إلى تحكم واعٍ وفي كيفية تقديم استنتاجات سوف تجعل الأفراد يعملون الأشياء المرغوب بها دون أن يكون هناك أحد يخبرهم بماذا يجب عليهم عمله.

والمشكلة التي نواجهها هنا هي، على الإطلاق، مشكلة غريبة عن علم الاقتصاد، غير أنها تنشأ بفعل ارتباطها، تقريباً، بكافة الظواهر الاجتماعية الحقيقية وباللغة وبمعظم ميراثنا الثقافي وهي تشكل بالفعل المشكلة النظرية المركزية لجميع العلوم الاجتماعية. وكما قال ألفرد وايتهيد في مضمار آخر "إنها لحقيقة بدهية خاطئة عميقة، والتي يتم تكرارها من قبل جميع الكراسات ومن قبل أفراد متفوقين عندما يقومون بإلقاء خطاباتهم، بأن علينا أن نستغل، كالمعتاد، إيماننا بالذي نقوم بعمله. والحالة هي عكس ذلك تماماً. فالحضارات تتقدم من خلال إطالة أمد عدد كبير من العمليات الهامة التي يمكننا القيام بها دون أن نفكر بها." ولهذا الأمر مغزى عميق في المجال الاجتماعي، فنحن نقوم وبشكل متواصل باستخدام المعادلات والرموز والقواعد التي لا نفهم معناها ومن خلال استخدامها نستفيد من مساعدة المعرفة التي لا نملكها بشكل فردي. لقد قمنا بتطوير هذه الممارسات والمؤسسات بفعل الاعتماد على العادات والمؤسسات التي ثبت نجاحها في نطاقها الخاص بها والتي أصبحت بدورها أساس الحضارة التي نعتمد عليها.

إن نظام الأسعار هو مجرد تشكيل من تلك التشكيلات التي تعلم الإنسان على استخدامها (مع أنه ما يزال بعيداً جداً عن أن يكون قد تعلم كيف يقوم بالاستفادة منها بالشكل الأفضل) بعد أن كان قد عثر عليه بالصدفة دون أن يفهمه. ومن خلاله، أصبح من الممكن أن نستنفع ليس فقط من تقسيم العمل بل أيضاً الاستنفاع المنسق من المصادر التي تقوم على معرفة مقسمة بشكل متساوٍ. إن الأفراد الذين يحبون أن يثيروا السخرية من أي افتراض، بكونه على هذا النحو يعمل كالمعتاد على تشويه الحجة وذلك من خلال الدس بأنه يشدد على كونه قد نما وكبر، بفضل نوع من الأعجوبة تماماً كما هو الحال في هذا الصنف من الأنظمة، بشكل عفوي ليناسب الحضارة الحديثة بالشكل الأفضل. وعكس ذلك هو الصحيح: هناك شخص ما استطاع أن يطور هذا الجانب من الجهد الذي تستند إليه حضارتنا نظراً لأنه قام بالعثور مصادفة على طريقة جعلت تحقيقه ممكناً. فإذا لم يفعل ذلك المرء ذلك فإن من المحتم أن يكون ما يزال يطور نوعاً آخر من الحضارة والذي قد يكون مختلفاً تماماً، لتشبه "دولة" النمل الأبيض أو نوعاً آخر لا يمكن تصوره. باختصار، يمكننا القول بأنه لا أحد لغاية الآن قد نجح في تصميم نظام بديل والذي بموجبه يمكن الحفاظ على خصائص معينة للنوع الموجود حالياً وهي خصائص باهظة الثمن حتى بالنسبة لأولئك الذين يهاجمونه بأشد أنواع العنف –مثلاً على وجه الخصوص المدى الذي يمكن للفرد أن يختار مساعيه، وبالنتيجة الاستخدام الحر لمعرفته ومهارته الخاصة به.

سابعاً:

إنه من حسن الطالع وفق مقاييس عديدة أن النزاع الناشب حول عدم الاستغناء عن نظام الأسعار وفق أي حساب عقلاني في مجتمع معقد هو في الوقت الحالي لم يعد يمكن القيام به إطلاقاً بين تحالفات تتبنى آراءاً سياسية متباينة. والفرضية التي تقول بأننا لا نستطيع الحفاظ على مجتمع قائم على ذلك الجانب من الجهد المكثف كجهدنا قد جرى الترحيب به بهدير من السخرية عندما تم تقديمه لأول مرة من قبل فون ميزس قبل خمسة وعشرين سنة. في هذه الأيام لم تعد الصعوبات التي ما يزال البعض يواجهونها في قبوله صعوبات سياسية، الأمر الذي يسهم في جو يفضي بدرجة كبيرة إلى مناقشة عقلية. وعندما نجد أن ليون تروتسكي يجادل قائلا "إن المحاسبة الاقتصادية لا يمكن التفكير بها بدون العلاقات السوقية"، وعندما يعد البروفيسور أوسكار لانج البروفيسور فون ميزس بتمثال في القاعات الرخامية لـ"مجلس التخطيط المركزي" المستقبلي، وعندما يقوم البروفيسور أبا بي. ليرنر بإعادة اكتشاف آدم سميث ويؤكد على أن المنفعة الأساسية لنظام الأسعار تكمن في حفز الفرد على عمل معين يكون في المصلحة العامة، بينما يقوم بالبحث عن مصلحته الخاصة، ولم يعد فعلاً بالإمكان نسب الخلافات إلى التعصب السياسي. ويظهر بوضوح بأن الانشقاق المتبقي يعود إلى خلافات فكرية محضة وبشكل أكثر خصوصية إلى خلافات منهجية.

في كتابه: الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية، قدم البروفيسور جوزيف شومبيتر في البيان الذي نشر مؤخراً شــرحاً وافياً لإحدى الخلافات المنهجية وهي موجودة في تفكيري وذهني، ومؤلفها عالم اقتصاد متفوق من بين علماء الاقتصاد الذين تناولوا الظواهر الاقتصادية في ضوء فرع معين من اليقينية (أو النهج اليقيني). بالنسبة له، تبدو هذه الظواهر وفقاً لذلك ككميات من السلع المقدمة بشكل موضوعي والتي تصطدم بشكل مباشر ببعضها البعض، والذي كما يبدو تقريباً بأنه يتم دون أي تدخل من قبل عقل بشري. وباستطاعتي، مقابل هذه الخلفية فقط، أن أعلل البيان التالي (المفزع بالنسبة لي). يجادل البروفيسور شومبيتر بأن إمكانية الحساب العقلاني في غياب الأسواق لعوامل الإنتاج تتبع صاحب النظرية "من الفرضية الأولية حيث يقوم المستهلكون بتقييم ("طلب") بضائع مسـتهلكين والتي تقوم أيضاً بحكم الفعل بتقييم وسـيلة الإنتاج التي تدخل في إنتاج هذه البضائع."[1]

عند تناول هذا البيان بالمعنى الحرفي، فإنه يكون بكل بساطة غير صحيح، فالمستهلكون لا يقومون بعمل من هذا النوع. والمعنى الذي يقصده البروفيسور شومبيتر بكلمة "بحكم الفعل" هو، على سبيل الافتراض، أن تقييم عوامل الإنتاج قد تمت الإشارة إليها تلميحاً، أو أنها قد استنتجت بالضرورة من تقييم بضائع المستهلكين، غير أن هذا أيضاً يعتبر غير صحيح، فالتلميح عبارة عن علاقة منطقية يمكن أن يتم تأكيدها بشكل مفيد فقط بالفرضيات التي يتم تقديمها بشكل متزامن إلى عقل واحد نفسه. ولكن، من الواضح أن قيم عوامل الإنتاج لا تعتمد بشكل فردي على قيمة بضائع المستهلكين بل أيضاً على ظروف توريد عوامل إنتاج متعددة، فلذلك العقل فقط الذي تكون كافة هذه الحقائق معروفة له سوف يتم استنتاج الإجابة بالضرورة من الحقائق التي تم تقديمها له. ومع ذلك، تنجم المشكلة العملية بشكل دقيق نظراً لأن هذه الحقائق لم تقدم إطلاقاً إلى عقل منفرد ولأنه أيضاً بالنتيجة، من الضروري أن يتم استخدام المعرفة المبعثرة بين أفراد كثيرين، بصدد حل هذه المشكلة.

وهكذا، ليس من الممكن أن يتم حل المشكلة ولا بأي حال من الأحوال إذا استطعنا أن نبين بأن كافة الحقائق، إن كانت معروفة لدى عقل منفرد (بما أننا قمنا بافتراضها، فرضياً، على أنه قد تم تقديمها إلى عالِم الاقتصاد السريع الملاحظة)، سوف تقوم بتحديد الحل بشكل فريد، ويجب بدلاً عن ذلك أن نبين كيف يمكن استخراج الحل من خلال تفاعلات الأفراد حيث يمتلك كل واحد منهم معرفة جزئية فقط. ولكي يتم الافتراض بأن كامل المعرفة المراد تقديمها إلى عقل منفرد بحسب نفس الطريقة التي يفترض أن يتم بها تقديم المعرفة إلينا بصفتنا علماء الاقتصاد المفسِّرين، يجب أن يتم الافتراض بأن المشكلة غائبة وأن يتم إهمال كل شيء يكون مهماً وجوهرياً في العالم الحقيقي.

إن أي عالم اقتصاد له موقف البروفيسور شومبيتر والذي يكون، بناء على ذلك، قد وقع في مصيدة نصبها غموض مصطلح "المعلومة" أمام المغفلين بالكاد أن يتم تفسيره على كونه خطأ بسيط، فهو بالأحرى يوحي بأن هناك شيء ما خطأ أساساً مع وجود نهج يقوم عادة بإهمال جزء أساسي من الظواهر التي يجب علينا أن نتعامل معها: وهي عدم اكتمال لا يمكن تجنبه في معرفة الإنسان والحاجة اللاحقة إلى عملية يتم بموجبها توصيل وحيازة المعرفة بشكل مستديم. إن أي نهج يتم اتباعه، مثل ذلك النهج الذي تبعته كثير من الاقتصاديات الرياضية مع معادلاتها المتزامنة التي تبدأ فعلياً بالافتراض بأن معرفة الأفراد تتوافق مع حقائق الموقف الموضوعية، تستبعد بشكل منظم ما يعتبر من مهامنا الرئيسية في الشرح. إنني بعيد كل البعد عن إنكار بأن لدى تحليل توازن النظام خاصتنا وظيفة نافعة يقوم بأدائها. لكنه، عندما يصل الأمر إلى النقطة التي يتم بها تضليل بعض مفكرينا الرواد للاعتقاد بأن الموقف الذي تصفه له علاقة مباشرة بموضوع حل المشاكل العملية، فسوف يكون وقتاً رائعاً بأن نتذكر بأنه لا يتعامل مع العملية الاجتماعية بتاتاً وأنه لا يعدو أن يكون تمهيداً مفيداً لدراسة المشكلة الرئيسية.

ملاحظات:

[1] كتاب الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية، للمؤلف جوزيف شومبيتر (نيويورك، هاربر، 1942) صفحة 175. باعتقادي أن البروفيسور جوزيف شومبيتر هو أيضاً المؤلف الأصلي لأسطورة باريتو وباروني اللذان قاما بـ"حل" مشكلة الحساب الاشتراكي. وكان كل ما قاما بعمله وكثيرون غيرهما، هو مجرد بيان للظروف التي يجب أن يوفي بها تخصيص المصادر العقلانية وأن يشير إلى أن هذه كانت، أساساً، نفس ظروف توازن السوق التنافسي وهو شيء مختلف عن معرفة كيف يمكن أن تجد بشكل عملي تخصيص المصادر التي تلبي هذه الشروط. وقام باريتو نفسه (حيث أخذ باروني منه عملياً كل شيء قام بذكره)، الذي قام بالابتعاد عن الادعاء بأنه قد قام بحل المشكلة العملية، قام بشكل صريح فعلاً بإنكار بأن من الممكن حلها دون مساعدة السوق.

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 2 كانون الثاني 2006.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©