minbar projects
Advertisement
معنى التنافس
 
(0 أصوات)
الكاتب/ فريدرك إي. هايك

أولاً:

إنّ هناك دلائل على الوعي المتزايد بين خبراء الاقتصاد بأن ما كانوا يبحثونه خلال السنوات الراهنة تحت اسم "التنافس" ليس الأمر ذاته المعروف بذلك في اللغة العادية. وبالرغم من أنه كانت هناك بعض المحاولات الشجاعة للرجوع بالنقاش إلى أرض الواقع وللفت الانتباه إلى مشاكل الحياة الفعلية –بشكل ملحوظ من قبل جيه. إم. كلارك وإف. ماكلُب– إلا أنه يبدو أن النظرة العامة مازالت تعتبر مفهوم التنافس المستخدم حالياً من قبل خبراء الاقتصاد بأنه الأهم، والمصطلح المستخدم من قبل رجال الأعمال بأنه خطأ في الاستعمال. إنه يبدو من المتعارف عليه بأن النظرية المسماة ﺒـ "التنافس المثالي" تقدِّم النموذج المناسب للحكم على فاعلية التنافس في الحياة الواقعية وبأنه –إلى الحد الذي يختلف فيه التنافس الحقيقي عن ذاك النموذج– غير مرغوب فيه أو حتى بأنه مضر.

إنه يبدو لي وجود مبرر ضئيل جداً لهذا الموقف، وسوف أحاول إظهار بأن ما تبحثه نظرية التنافس المثالي له ادعاء ضئيل لمجرد تسميته بأنه "تنافس"، وبأن استنتاجاتها ذات فائدة قليلة كدلائل لوضع السياسات. ويبدو لي أن السبب في هذا هو بأن هذه النظرية بمجملها تفترض بأن الوضع الحالي قائم مسبقاً والذي –وفقاً للنظرة الأصحّ للنظرية القديمة– تحاول عملية التنافس خلقه أو التقريب منه، وهذا –إنْ تواجد الوضع العام المفترض من قبل نظرية التنافس المثالي– لن يقوم فقط بتجريد جميع النشاطات التي يصفها فعل "التنافس" من أهدافها؛ بل سوف يجعلها مستحيلة من الناحية العملية.

لن يكون هذا بالأمر المهم لو أنه يؤثر فقط على استخدام كلمة "تنافس"؛ ولكنه يبدو كأن خبراء الاقتصاد –من خلال استخدامهم الغريب هذا للغة– كانوا يخدعون أنفسهم بالاعتقاد بأنهم بمناقشة "التنافس" يقولون شيئاً عن طبيعة وأهمية هذه العملية التي تخلق الوضع الحالي الذي يفترضون وجوده أصلاً. وفي الواقع؛ تم ترك هذه القوة المحركة في الحياة الاقتصادية بمجملها تقريباً دون البحث فيها.

إني لا أرغب أن أناقش هنا بأية تفاصيل الأسباب التي أدت وصول نظرية التنافس إلى هذه الحالة الغريبة. وكما قد اقترحت في موضع آخر من هذا العدد، فإن الطريقة الحشوية –بتكرار المعنى– والتي هي مناسبة ولا يمكن الاستغناء عنها في تحليل النشاط الفردي؛ تبدو في هذه الحالة بأنها قد امتدت بطريقة غير منطقية إلى مشاكل لابد أن نتعامل خلالها مع عملية اجتماعية حيث تؤثر قرارات العديد من الأفراد على بعضهم البعض وبالضرورة عاجلاً أم آجلاً يتبع بعضهم الآخر. إن علم التفاضل والتكامل الاقتصادي –أو المنطق المحض للاختيار– الذي يتعامل مع النوع الأول من المشاكل يتكون من أدوات لتصنيف المواقف الإنسانية المحتملة، ويزوّدنا بآلية لوصف العلاقات المتبادلة للأجزاء المختلفة في خطة واحدة. وإنّ استنتاجاته متضمَّنة في افتراضاته: إن الرغبات والمعرفة بالحقائق –والتي يُفترض وجودها معاً في عقل واحد– تحدِّد حلاً فريداً. إن العلاقات التي يتم البحث فيها في هذا النوع من التحليل هي علاقات منطقية معنية فقط بالاستنتاجات التي تتلاحق في عقل الشخص المُخطِِّط من المقدمات المُعطاة.

ومن ناحية أخرى، عندما نتعامل مع حالة يحاول فيها عدد من الأشخاص وضع خططهم المنفصلة، فإننا لا نستطيع الافتراض بأن البيانات هي نفسها لجميع العقول المخططة، وتصبح المشكلة كيف سيتم تعديل "البيانات" لدى مختلف الأفراد –والتي يبنون عليها خططهم– إلى حقائق موضوعية عن بيئتهم التي تتضمن سلوك الأشخاص الآخرين. وعلى الرغم من أنه، ولحل هذا النوع من المشاكل، مازال علينا الاستفادة من آليتنا من أجل حل ما تتضمنه مجموعة محددة من البيانات، فإنه علينا الآن التعامل ليس فقط مع عدة مجموعات منفصلة من البينات للأشخاص المختلفين؛ بل أيضاً –وهذا أكثر أهمية من ذي قبل– مع عملية تتضمن بالضرورة تغيرات مستمرة في البيانات للأشخاص المختلفين. وكما اقترحت من قبل، فإن العامل المسبب يدخل هنا على شكل اكتساب معرفة جديدة من قبل مختلف الأشخاص أو من التغيرات في بياناتهم التي تنشأ بسبب الاتصال بينهم.

إن علاقة هذا مع مشكلتي الراهنة سوف تظهر عندما نتذكر بأن النظرية الحديثة للتنافس تتعامل –وبشكل شبه حصريّ– مع حالة تعرف ﺒـ "التوازن التنافسيّ"، والتي يتم من خلالها افتراض أنّ البيانات للأشخاص المختلفين قد تم تعديلها بشكل تام بالنسبة لبعضها البعض؛ بينما تكمن المشكلة التي تحتاج إلى تفسير في طبيعة العملية التي يتم تعديل البيانات من خلالها على ذاك النحو. وبمعنى آخر؛ فإن وصف التوازن التنافسي لا يحاول على الأقل أن يعلل فيما إذا وجدنا ظروفاً كذا وكذا فإنه سيتبعها نتائج كذا وكذا، ولكنه يقتصر على التعريف بظروف نتائجُها متضَمّنة مُسبقاً فيها، والتي من المحتمل أن تتواجد ولكن بطريقة لا تخبرنا كيف من الممكن أن نتسبّب في حدوثها. أو من الممكن أن نستبق باستنتاجنا الأهم وفي عبارة مختصَرة بأن التنافس بطبيعته عملية دائمة التغيّر تُخَمّن خصائصها الأساسية عن طريق الافتراضات التي تُبنى عليها تحليلات ثابتة.

ثانياً:

إن ما تفترضه النظرية الحديثة للتوازن التنافسيّ بوجود وضع قائم ناتج عن تأثير العملية التنافسية –والذي يحتاج إلى تفسير حقيقي– يظهر بأفضل طريقة من خلال البحث في القائمة المألوفة للظروف والتي نجدها في أي كتاب منهجيّ حديث. إن معظم هذه الظروف، وبشكل عارض، لا تبنى عليها تحليلات التنافس "المثالي" فقط؛ بل يتم افتراضها على حدٍ سواء عند البحث في الأسواق "غير المثالية" أو "الاحتكارية"، والتي بمجملها تفترض وجود ظروف "مثالية" غير واقعية.[1] وعلى أية حال، ومن أجل تحقيق هدفنا المباشر، فإن نظرية التنافس المثالي سوف تكون الموضوع الأكثر فائدة للبحث.

وبينما قد يضع مختلف المؤلفين قائمة الشروط الأساسية للتنافس المثالي بأشكال مختلفة، فإن القائمة التالية قد تكون شاملة بشكل كافٍ من أجل تحقيق هدفنا؛ حيث أن تلك الشروط –وكما سنرى لاحقاً– ليست مستقلة في الحقيقة عن بعضها البعض. ووفقاً للنظرة العامة المعروفة فإن التنافس المثالي يفترض مقدماً ما يلي:

1) وجود بضاعة متجانسة يتم العرض والطلب عليها من قبل عدد كبير من الباعة أو المشترين –الصغار نسبياً– والذين لا يتوقع أحد منهم أن يمارس من خلال نشاطه هذا تأثيراً ملحوظاً على السعر.
2) التمكّن من دخول حرّ إلى السوق وغياب أية قيود أخرى على حركة الأسعار والموارد.
3) وجود معرفة تامة بالعوامل المتعلقة بالسوق من قِبل جميع المشاركين فيه.

إننا لن نستفسر في هذه المرحلة بالأخص عن الأسباب وراء الحاجة لتلك الشروط وما الذي تتضمّنه إذا افترضنا بأنها متوفرة؛ ولكن يجب أن نبحث بشكل أعمق قليلاً في معانيها، وفي ضوء هذا فإن الشرط الثالث هو الحاسم والغامض من بينها. ومن الواضح أنه في الوضع الاعتيادي ليس من الممكن أن تكون هناك معرفة تامة بكل ما يتعلق بالسوق عند كل شخص مشارك فيه، ولن أخوض هنا في المغالطة المعروفة بالتأثير المعطّل الذي قد يكون للمعرفة التامة والبصيرة على جميع النشاطات.

سيكون من الواضح أيضاً أنه لا يمكن معالجة أي أمر عندما نفترض أن كل شخص ملمّ بكل شيء، وأن المشكلة الحقيقية بالأحرى تكمن في كيفية تحقيق ذلك بحيث يتم الاستفادة من أكبر قدر ممكن من المعرفة المتوفرة. وهذا يثير تساؤلاً بالنسبة لمجتمع تنافسيّ ليس في كيفية "إيجاد" الأشخاص ذوي المعرفة الأفضل؛ بل ما هي الاستعدادات المؤسسيّة الضرورية من أجل جذب أشخاص غير معروفين لديهم معرفة مناسبة خاصة بمهمة محددة. ويجب علينا البحث بشكل أعمق قليلاً عن نوعية المعرفة التي من المفترض أن يمتلكها الأطراف المشاركة في السوق؛ فإذا أمعنا النظر في سوق بعض أنواع السلع الاستهلاكية المنتهية ابتداء من موقف منتجيها أو البائعين؛ نجد أولاً أنه من المفترض أن يكونوا على علم بأقل تكلفة يمكن من خلالها إنتاج تلك البضاعة، ومع ذلك فإن هذه المعلومة التي من المفترض أن تكون معطاة مسبقاً للبدء منها هي أحد النقاط الأساسية التي نكتشف الحقائق حولها فقط من خلال عملية التنافس، ويبدو لي هذا بأنه أحد أهم النقاط التي تفترض نقطة بداية نظرية التوازن التنافسيّ بأنها المُعضلة الرئيسة والتي لا يمكن حلها إلا من خلال عملية التنافس فقط. إن هذا الموقف شبيه إلى حد ما فيما يتعلق بالنقطة الثانية حيث أنه من المفترض أن يكون المنتجون على اضطلاع تام برغبات المستهلكين بما فيها نوعية البضائع والخدمات التي يحتاجونها والأسعار التي هم مستعدون لدفعها. لا يمكن النظر إلى تلك الحقائق بأنه مسلّم بها على وجه الدقة؛ بل الأحرى أن تُعتبر مشكلات يتم حلها من خلال عملية التنافس.

يوجد الوضع ذاته من جهة المستهلكين أو المشترين؛ فمرة أخرى، إن المعرفة التي من المفترض أن يمتلكوها في حالة التوازن التنافسيّ لا يمكن الافتراض منطقياً أن تكون رهن أمرهم قبل بدء عملية التنافس، ومعرفتهم بالخيارات أمامهم هي نتيجة ما يحدث في السوق من نشاطات كالإعلان وغيره، ويقوم السوق بأكمله بتلبية تلك الحاجة بنشر المعلومات التي يتصرف المشتري بناء عليها.


إن الطبيعة الغريبة للافتراضات التي تنطلق منها نظرية التوازن التنافسي تبرز بوضوح عند تساؤلنا عن أي من تلك النشاطات –التي عادة ما يحددها الفعل "ينافس"– سوف يكون من الممكن تنفيذها إذا تحققت جميع تلك الشروط. و لربما سيكون من المفيد أن نتذكر –وفقاً لما أورده د. جونسون– بأن التنافس هو "عملية السعي للحصول على ما يسعى الآخرون للحصول عليه في الوقت ذاته". والآن كم من الأدوات المستخدمة في الحياة العادية من الممكن أن تكون متاحة للبائع في السوق بحيث تسود من خلالها فكرة ما يسمى ﺒـ "التنافس المثالي"؟ إني أعتقد بأن الإجابة هي تماماً "لا شيء". إن الإعلان، وعرض السلع بأسعار أقل من تلك لدى المنافسين، وتحسين "تمييز" البضائع أو الخدمات المقدمة، قد تم استثناؤها جميعاً بالتعريف؛ فالتنافس "المثالي" يعني بالفعل غياب جميع النشاطات التنافسية.

إن ما يجدر ملاحظته على وجه الخصوص في هذا السياق هو الاستثناء الصريح والتام لجميع العلاقات الشخصية بين الأطراف المختلفة من نظرية التنافس المثالي؛[2] ففي الحياة الواقعية تعتبر حقيقة أنه يتم التعويض عن معرفتنا غير الكافية عن السلع أو الخدمات المتوفرة من خلال خبرتنا مع الأشخاص أو المؤسسات التي تزودنا بها، وبأن التنافس –بنظرة أشمل– هو تنافس على السمعة أو شهرة المحل، تعتبر بأنها واحدة من أهم الحقائق التي تمكننا من التغلب على مشاكلنا اليومية. إن وظيفة التنافس هنا هي تعليمنا بدقة من سيخدمنا بشكل أفضل: أي سمّان أو وكالة سفر، وأي متجر أو فندق، وأي طبيب أو محام، ومن نتوقع أن يقدم لنا الحل الأمثل لأية مشكلة شخصية معينة قد نضطرّ إلى مواجهتها. ومن الواضح أنه في جميع هذه المجالات قد تكون المنافسة شديدة جداً فقط لمجرد أن خدمات مختلف الأشخاص أو المؤسسات لن تكون أبداً متماثلة بشكل تام، ويعود الفضل لهذه المنافسة بأنه يتم خدمتنا على أفضل وجه ممكن. إن الأسباب وراء وصف التنافس في هذا المجال بأنه غير مثالي ليس له في الحقيقة أية علاقة مع الصفة التنافسية لنشاطات هؤلاء الناس؛ وإنما تكمن في طبيعة السلع أو الخدمات نفسها، فعندما لا يتشابه طبيبان بشكل تام؛ فإن ذلك لا يعني أن التنافس بينهما يكون أقل حدة؛ وإنما يعني فقط أن أية درجة من التنافس بينهما لن تؤدي إلى النتائج نفسها التي من الممكن أن تكون لو كانت خدماتهما متشابهة تماماً. إن هذه ليست نقطة خلاف كلامية محضة؛ فعند الحديث حول العيوب أو التنافس فإننا في الحقيقة نتناول الاختلاف الضروري بين السلع والخدمات والذي يخفي التباساً حقيقياً ويؤدي أحياناً إلى استنتاجات سخيفة.

قد يبدو من الوهلة الأولى بأن الافتراض المتعلق بالمعرفة التامة من قبل الأطراف المشاركة في السوق على أنه الأكثر ترويعاً وزيفاً من بين جميع الشروط التي تستند عليها نظرية التنافس المثالي، ولكنه في الحقيقة قد لا يكون أكثر من نتيجة لها، حتى أنه يبرر جزئياً عن طريق افتراضات مُسبقة أخرى تبنى عليها تلك النظرية. إذا بدأنا بالفعل بالافتراض بأن عدداً كبيراً من الناس ينتجون نفس السلعة ويتولون التسهيلات المادية والفرص ذاتها في تحقيق ذلك؛ عند ذلك قد يكون بالإمكان تقبّل –مع أنه وحسب علمي لم يتم محاولة تحقيق ذلك أبداً– بأنه سيتم مع الوقت توجيههم إلى معرفة معظم الحقائق المتعلقة بالحكم على سوق تلك السلعة. ولن يتعلم كل منتج –من خلال تجربته الخاصة– الحقائق ذاتها لدى باقي المنتجين فحسب؛ بل سيتعرف هكذا على ما يعلمه زملاؤه وبالتالي على مدى الطلب على منتجه الخاص. إن الشرط بأن ينتج مختلف أصحاب المصانع المنتج ذاته تحت ظروف متماثلة هو في الحقيقة الشرط الأنسب لخلق تلك الحالة من المعرفة بينهم والتي يتطلبها التنافس المثالي. قد لا يعني هذا أكثر من أنه من الممكن أن تكون السلع متطابقة –في ضوء فهمنا للنشاط الإنساني– فقط عندما يكون لدى الناس النظرة ذاتها حولها، بالرغم من أنه يجب أن يكون بالإمكان كذلك وضع مجموعة من الشروط المادية، الأمر الذي يناسب جميع هؤلاء المعنيين بمجموعة من النشاطات المتداخلة بعضها ببعض ويجعلهم يتعلمون الحقائق التي تتعلق بقراراتهم.

كيفما كان ذلك، فإنه من الواضح بأن الحقائق لن تكون دائماً في صالح هذه النتيجة كما هي عندما يكون العديد من الأشخاص في موضع يسمح لهم على الأقل بإنتاج الصنف ذاته. إن فكرة كون النظام الاقتصادي قابل للقسمة إلى أسواق مختلفة لسلع منفصلة هي بالنتيجة وعلى الأغلب من نتاج خيال الخبير الاقتصادي، وقطعاً ليست هي القاعدة على أرض الواقع للصناعة وللخدمات الشخصية، والتي يعود عليها مجمل النقاش حول التنافس. وفي الحقيقة، من الصعب القول أنه توجد منتجات لإثنين من المنتجين متطابقة تماماً، حتى لو كان ذلك فقط بسبب كونهما متواجدتين في مكانين مختلفين عند مغادرتهما للمصنعين. إن هذه الاختلافات جزء من الحقائق التي تخلق مشكلتنا الاقتصادية، وإنه من غير المفيد الاستجابة لها بالافتراض بأنها غير موجودة.

إن الاعتقاد بمنافع التنافس المثالي يؤدي عادة إلى أن يجادل حتى المتحمسون لها بأن استخداماً أكثر فائدة للموارد يمكن تحقيقه إذا تم تقليل المنتجات المتنوعة الموجودة حالياً من خلال التوحيد الإلزامي. وفي الوقت الراهن يوجد هناك بلا شك الكثير مما يمكن قوله في العديد من المجالات حول ترسيخ التوحيد عن طريق توصيات أو معايير متفق عليها والتي يتم تنفيذها إلاّ إذا تم النص على متطلبات أخرى وبشكل واضح في العقود. لكن هذا أمر مختلف تماماً عن مطالب هؤلاء الذين يؤمنون بأنه يجب تجاهل التنوع في أذواق الناس وبأنه يجب كبح التجريب المستمر مع التحسينات وذلك من أجل الحصول على منافع التنافس المثالي. إنه من الواضح أنه لن يكون من التحسينات بناء البيوت جميعها متماثلة تماماً من أجل خلق سوقاً مثالية لها، ويصحّ هذا على معظم المجالات الأخرى، حيث أنّ الاختلافات بين المنتجات المنفردة تمنع التنافس من أن يكون أبداً مثالياً.

ثالثاً:

إنه من الممكن أن نتعلم المزيد عن طبيعة وأهمية العملية التنافسية إذا تجاهلنا لبرهة الافتراضات المصطنعة التي تُبنى عليها نظرية التنافس المثالي وتساءلنا فيما إذا سيكون التنافس أقل أهمية إذا –على سبيل المثال– لم تكن هناك أية سلعتين متطابقتين تماماً. ولولا صعوبة تحليل مثل ذلك الوضع، لاستحق الأمر الغوص وببعض التفصيل في تلك الحالة التي يصعب فيها تصنيف السلع المختلفة إلى مجموعات منفصلة، ولكن وبما أنه يجب علينا التعامل مع سلسلة متصلة من البدائل المتقاربة، فإن كل وحدة منها تختلف بشكل ما عن غيرها ولكن دون وجود فواصل واضحة بينها. إن نتيجة تحليل التنافس في مثل تلك الحالة قد يكون وبأوجه عدة أكثر تشابهاً بأوضاع الحياة الواقعية من نتائج تحليل التنافس لصناعة واحدة تنتج بضاعة متجانسة مختلفة تماماً عن غيرها. وإذا اعتبرنا حالة أنه لا يمكن وجود أية سلعتين متطابقتين بأنها مبالغ فيها؛ فإننا يمكن على الأقل أن نتجه إلى حالة بأنه لا يمكن وجود منتجَين ينتجان البضاعة ذاتها تماماً، كما عادةً هو الحال ليس في الخدمات الشخصية فقط؛ بل أيضاً في أسواق العديد من السلع المصنّعة، كأسواق الكتب أو الآلات الموسيقية.

وبغية تحقيق هدفنا الحالي، فإنني لن أحاول أن أقوم بتحليلٍ تام لمثل تلك الأسواق ولكنني سأقف عند السؤال عن دور التنافس فيها. ومع أن النتيجة ستكون –ضمن إطار واسع إلى حد ما– غير محددة، إلا أن السوق سيأتي بمجموعة من الأسعار بحيث أن كل بضاعة تباع عندها بالحد الذي تكون فيها رخيصة كفاية بالقدر الذي تتفوّق عنده على البدائل المحتملة الشبيهة بها، وهذا الأمر بذاته ليس بالشيء القليل إذا ما اعتبرنا الصعوبات المستعصية في السوق من أجل التوصل إلى مجرّد مثل ذاك النظام للأسعار من خلال أية طريقة أخرى غير طريقة "التجربة والخطأ"، بحيث يتعلم المشاركون فيها وبشكل تدريجي الظروف المتعلقة بها. إنه من الصحيح بالطبع بأنه في مثل ذاك السوق يمكن توقع التطابق بين الأسعار وحدود التكلفة فقط إلى الدرجة التي تكون عندها مرونة الطلب للبضائع المنفردة تصل إلى الشروط التي تفترضها نظرية التنافس المثالي، أو تصل عندها مرونة التبادل بين البضائع المختلفة إلى حد لانهائيّ. إن القصد هنا يكمن في أن في مثل هذه الحالة سيكون مقياس "المثاليّة" –كأمر مرغوب فيه أو غاية مطلوبة– شيئاً لا علاقة له إطلاقاً. إن أساس المقارنة –بناء على القواعد التي يجب أن يُحكم على تحقيق التنافس وفقها– لا يمكن أن تكون حالةً تختلف عن الحقائق الموضوعية والتي لا يمكن إحداثها بأيّ من الطرق المعروفة؛ إنها يجب أن تكون كما لو كانت عمليات التنافس ممنوعة من تطبيقها، وليس أن تكون السبيل إلى غاية لا مغزى من ورائها ولا يمكن تحقيقها، بل أن تكون التحسين الذي من الممكن أن تبنى عليه الظروف التي قد تتوفر دون جعل التنافس موضع اختبار.

كيف من الممكن –في مثل تلك الحالة– أن تختلف الظروف إذا كانت عمليات التنافس "حرة" ضمن المفهوم التقليدي عن تلك التي قد تكون في حالة –على سبيل المثال– إذا سُمح فقط للأشخاص المخوّلين من قبل السلطات بإنتاج أشياء محددة، أو تم تثبيت الأسعار من قبل السلطات، أو كلاهما؟ من الواضح أنه لن يكون هناك فقط عدم احتمالٍ بأن الأشياء المختلفة سيتم إنتاجها من قبل هؤلاء الذين يعلمون كيف يقومون بذلك على أكمل وجه وبالتالي سينجزونه بأقل التكاليف، بل أيضاً عدم احتمال بأن جميع تلك الأشياء سيتم إنتاجها إطلاقاً، والتي إن ترك الخيار للمستهلكين سيفضلونها عن غيرها. سيكون هناك ارتباط ٌ ضئيلٌ بين الأسعار الحقيقية والتكلفة الأقل التي قد يتمكن شخص ما من إنتاج هذه البضائع عندها، وبالفعل، فإن البدائل التي سيكون كل من المنتجين والمستهلكين في موضع الاختيار بينها، وبياناتِها كذلك، ستختلف بأكملها عنها فيما لو كانت قد وقعت ضمن عملية التنافس.

إن المشكلة الحقيقية في هذا كله لا تكمن فيما إذا سنحصل على بضائع أو خدمات معينة ضمن تكاليف محددة، بل وبالدرجة الأولى في ماهيّة البضائع والخدمات التي يمكن من خلالها تلبية احتياجات الناس بأقل التكاليف. في ضوء هذا كله، فإن حل المشكلة الاقتصادية لمجتمع ما هي دوماً رحلة استكشاف في المجهول، ومحاولة ٌ للوصول إلى طرق جديدة لعمل الأشياء بشكل أفضل مما كانت عليها سابقاً. و يجب أن يبقى الحال دوماً كذلك ما دامت هنالك مشاكل اقتصادية لابدّ من حلها؛ لأن جميع تلك المشاكل تنتج بسبب تغيرات طارئة تحتاج إلى التكيف معها، وفقط ما لم نتوقعه و نتحمل أعباءه يحتاج إلى قرارات جديدة. فإذا لم تكن هناك حاجة لمثل ذاك التكيف، وإذا علمنا في لحظة ما بأن جميع التغيرات قد توقفت وأن الأمور سوف تسير إلى الأبد تماماً على ما هي عليه الآن؛ فإنه لن يكون هناك المزيد من التساؤلات حول استغلال الموارد ليتم معالجتها.

إن الشخص الذي يمتلك المعرفة أو المهارة الحصريّة التي تمكنه من تقليل كلفة الانتاج لسلعة ما بنسبة 50% سيقدم خدمة عظيمة للمجتمع حتى إذا ما أدخل منتجه وخفض من سعره بنسبة 25% فقط، وذلك ليس من خلال التقليل من السعر فحسب، بل أيضاً عن طريق توفيره الإضافيّ للتكلفة، ولكنه من خلال التنافس فحسب نستطيع التخمين بأنه من الممكن تحقيق مثل ذاك التوفير المحتمَل للتكلفة. إنه حتى وإن كانت الأسعار في كل حالة منها منخفضة بالحد الكافي فقط لإبعاد المنتجين الذين لا يتمتعون بمثل هذه أو غيرها من المزايا المكافئة لها، بحيث أن كل سلعة يتم إنتاجها بأقل تكلفة ممكنة، وبالرغم من أن العديد منها قد يتم بيعها بأسعار تفوق تكلفتها بشكل كبير؛ إلا أنه قد تكون هذه نتيجةً لا يمكن تحقيقها بأية طريقة أخرى غير تفعيل عملية التنافس.

رابعاً:

إن استحالة تتطابق حتى ظروف أي اثنين من المنتجين في واقع الحياة إنما مردها إلى الحقائق التي تتجاهلها نظرية التنافس المثالي من خلال تركيزها على توازن طويل الأمد والذي لا يمكن أن يتحقق في عالم دائم التغير. إن معدات شركة معينة تتحدد بشكل كبير وفي أية لحظة بحادثة تاريخية، وتكمن المشكلة في أنه يجب عليها (أي الشركة) الاستفادة بأكبر قدر ممكن من حالة التوازن تلك –بما تشمله من قدرات مكتسبة لأعضاء طاقمها– وليس ما قد تفعله إذا تم إعطاؤها وقتاً غير محددٍ لتكيّف نفسها مع ظروفٍ ثابتة. ومن أجل معالجة مشكلة الاستغلال الأمثل للموارد الكبيرة لكن القابلة للنفاذ فإن السعر في حالة التوازن طويل الأمد والتي يجب أن تعنى به نظرية ٌ تبحث في تنافسٍ "مثاليّ" ليس فقط أنه لا علاقة له بالأمر، بل إن النتائج النهائية المتعلقة بالسياسة العامة والتي يؤدي الاستغراق في هذا النموذج إليها هي مضللةٌ جداً بل وحتى خطيرة. إن فكرة بأنه تحت مفهوم التنافس "المثالي" يجب أن تكون الأسعار مساوية للتكاليف بعيدة الأمد عادة ما تؤدي إلى قبول ممارسات غير اجتماعية كالمطالبة ﺒـ "التنافس المنظم" الذي سيضمن بعوائد كبيرة على رأس المال والمطالبة بتدمير القدرات الفائضة. إننا نجد عادة وبشكل مدهش بأن المناداة بالتنافس المثالي كنظرية، وتأييد الاحتكار كممارسة، متلازمان بالفعل لبعضهما البعض.

إن هذه –على أية حال– واحدة فقط من بين النقاط العديدة التي تؤدي إلى تجاهل عامل الوقت والذي يجعل الصورة النظرية للتنافس المثالي بعيدة كلياً عن كل ما هو متعلق بفهم عملية التنافس. وإذا فكرنا في الأمر بالشكل الذي ينبغي أن نفعل، كتسلسلٍ للأحداث، يصبح الأمر أكثر وضوحاً بأنه في الحياة الواقعية سيكون هناك –كقاعدة عامة وبأي وقت كان– مُنتِجٌ واحد فقط يستطيع تصنيع صنف معيّن بأقل التكاليف، والذي في الواقع قد يبيعه بثمن أقل منه لدى منافسه الذي يليه في السلسلة، والذي وأثناء محاولته لتوسعة سوقه سيأتي عادة شخص آخر ويسبقه، والذي بدوره سيتم حدّه من الاستيلاء على السوق بأكمله من قبل شخص آخر وهكذا دواليك. إنه من الواضح بأن سوقاً كتلك لا يمكن أن تكون أبداً في حالة التنافس المثالي، وعلى الرغم من ذلك فلن يكون التنافس فيها أكبر ما يمكن فقط؛ بل وأنه سيكون العامل الأساسي في تفعيل واقع بأن ذاك الصنف متوفر وبأي وقت للمستهلك وبأقل تكلفة يمكن تحقيقها بأية طريقة أخرى.

عندما نقارن سوقاً "غير مثالية" كهذه بسوق "مثالية" نسبياً كسوق الحبوب مثلاً، فسنجد أنفسنا الآن في وضع أفضل لإظهار الفرق الذي يدور حوله هذا البحث بأكمله، ألا وهو الفرق بين الحقائق الموضوعية الخفية لحالةٍ لا يمكن تعديلها من خلال النشاط الإنساني، وبين طبيعة النشاطات التنافسية التي يعدّل الأشخاصُ أنفسَهم من خلالها للتكيف مع تلك الحالة. وحيثما وجد لدينا –كما في الحالة الثانية– سوقٌ عالية التنظيم ذات سلع موحّدة المقاييس بشكل تام، والتي ينتجها العديد من المنتجين؛ فإنه يكون هناك حاجة أو مجالٌ قليلٌ للنشاطات التنافسية، لأن الوضع هنا يتضمن بأن الظروف التي قد تحدِثها مثل تلك النشاطات متوفرة ٌمُسبقاً للبدء من عندها. إن أفضل الطرق لإنتاج البضاعة بصفاتها واستخداماتها تكون معروفة في معظم الأحيان بالدرجة ذاتها تقريباً لجميع أعضاء السوق، وتنتشر المعرفة بأية تغيرات مهمة بسرعة كبيرة وسريعاً ما يتأثر التكيف لها بحيث أننا عادة وببساطة نتجاهل ما يحدث خلال تلك الفترات الانتقالية القصيرة ونقتصر على المقارنة بين الحالتين القريبتين من التوازن اللتين تحدثان قبل وبعد تلك التغيرات، ولكنه أثناء هذه الفترة القصيرة والمهمَلة تنشط قوى التنافس وتصبح ظاهرة، وإنها تلك الأحداث التي تقع خلال هذه الفترة التي يجب علينا دراستها إذا أردنا "تفسير" حالة التوازن التي تليها.

يكون التنافس على شكل عملية مستمرة فقط في السوق التي تكون عملية التكيف فيها بطيئة مقارنة مع معدل التغير. وعلى الرغم من أن السبب وراء كون التكيف عملية بطيئة قد يكون ضعفاً في التنافس، فعلى سبيل المثال: بسبب وجود عوائق خاصة للدخول في العملية التجارية، أو بسبب عوامل أخرى تتعلق بخصائص العمليات الاحتكارية الطبيعية، إلا أنه كون التكيف بطيئاً لا يعني ولا بأي شكل من الأشكال أن التنافس ضعيف بالضرورة. فعندما يكون التنوع في البدائل المتقاربة كبيراً وسريع التغير، حيث يحتاج إلى وقت طويل للتعرف على الصفات المتقاربة للبدائل المتوفرة، أو حيث تكون الحاجة لصنف كامل من البضائع أو الخدمات فقط بشكل متقطع ضمن فترات غير منتظمة، فإنه يجب أن تكون عملية التكيف بطيئة حتى وإن كان التنافس قوياً ونشيطاً.

يبدو بأن اللبس فيما بين الحقائق الموضوعية للحالة وطبيعة الاستجابة البشرية لها يحجب عنا الحقيقة المهمة بأنه يكون التنافس أكثر أهمية كلما تعقدت الظروف الموضوعية التي يجب أن "يعمل" من خلالها، أو كانت "غير مثالية". و بالفعل، وبعيداً عن كون التنافس مفيداً فقط إن كان "مثالياً"؛ فإني أميل إلى مناقشة أن الحاجة إلى التنافس لا يكون أكثر منه في المجالات التي تجعل فيها طبيعةُ السلع أو الخدمات من الاستحالة خلقَ سوقٍ مثاليّ بالمفهوم النظري. إن النقائص الواقعية والحتمية للتنافس هي من الصغر ليتناولها الجدل حوله مثلها كالصعوبات التي تواجه تحقيق حلٍ مثالي لأية مهمة أخرى والجدل حول محاولة معالجتها بشكل مطلق، أو كصغر الخلاف حول الصحة غير التامة مقابل تمامها.

إنه في ظروفٍ لا يمكن أن يتواجد فيها عدة أشخاص يعرضون السلع أو الخدمات المتجانسة ذاتِها –بسبب الطبيعة المتغيرة دائماً لاحتياجاتنا ومعرفتنا، أو بسبب التنوع اللانهائي لمهارات الإنسان وقدراته– فإنه لا يمكن أن يكون الوضع المثالي في مطالبتنا بوجود سمات متطابقة لأعداد كبيرة لمثل تلك السلع والخدمات. فالمشكلة الاقتصادية تكمن في الاستغلال الأفضل للموارد المتوفرة لدينا وليس في الذي علينا فعله فيما إذا كانت الظروف مختلفةً عمّا هي عليه في الواقع، لذلك فإنه من عديم الفائدة التحدث في استغلال الموارد كما لو تواجدت هناك سوقاً مثالية لذلك، أو لو كان ذلك يعني بأن الموارد يجب أن تكون مختلفة عما هي عليه، ولا جدوى في مناقشة ما الذي كان من الممكن أن يفعله شخص ما ذو معرفة مطلقة إن كان هدفنا هو الاستغلال الأمثل للمعرفة التي يمتلكها ما يتوفر لدينا من أشخاص.

خامساً:

إن الحجة في صالح التنافس لا تستند على الظروف التي كان من الممكن توفرها لو كان ذاك التنافس مثالياً. وعلى الرغم من أنه قد تجعل الحقائق الموضوعية بالإمكان وصول التنافس إلى المثالية؛ والذي سيضمن أيضاً الاستغلال الأكثر فاعلية للموارد، وعلى الرغم من وجود كل حالة لإزالة العقبات الإنسانية للتنافس، فإن هذا لا يعني بأن ذاك التنافس لا يأتي بالاستغلال الأمثل للموارد كالذي تأتي به أيٌ من الطرق الأخرى المعروفة والتي بطبيعة الحال يجب أن تكون غير مثالية. وعلى الرغم من أن الدخول الحر للسوق لن يضمن أكثر من أنه في وقت ما إنْ تم توفير جميع السلع والخدمات التي يكون عليها طلباً كبيراً، فإنه في الواقع قد يتم إنتاجها بأقل إنفاق حاليّ[3] ممكن للموارد في ضوء الظروف التاريخية الراهنة، على الرغم من أن سعرها الذي يُفرض على المستهلك يكون أعلى كثيراً وإلى الحد الذي يقرُب من تكلفة الطريقة التالية الأفضل منها والتي يمكن من خلالها تلبية حاجته، وإني لأؤكد بأن هذا أكبر مما قد نتوقعه من أي نظام آخر قد علمنا به.

إن النقطة الحاسمة والأساسية بأنه من غير المحتمل من دون المعوّقات المصطنعة التي إمّا يخلقها أو يزيلها النشاط الحكومي؛ فإن أية سلعة أو خدمة سوف تكون متوفرة ولأي وقت كان فقط بالسعر الذي سيتوقع الدخلاء إلى السوق عنده تحقيق ربح أكثر من المعتاد.

إن الدرس العملي من كل هذا يكمن باعتقادي في أننا يجب أن نهتم بشكل أقل فيما إذا كان التنافس مثالياً في حالة ما، ونهتم بشكل أكبر فيما إذا كان هنالك تنافسٌ في الأساس. إن ما تخفيه نماذجنا النظرية حول الصناعات المتفرقة هو أنه في الواقع يوجد ثغرة أوسع تفصل بين التنافس عن اللاتنافس أكثر منه بين تنافسٍ مثاليّ وغير مثالي. ومع ذلك فإن التوجه الحالي في المناقشة يتضمن عدم تحمّل نقائص التنافس والسكوت عن منعه. إنه ربما قد يكون بإمكاننا تعلم المزيد عن الأهمية الحقيقية للتنافس من خلال دراسة النتائج التي تظهر عادة عند القمع المتعمّد للتنافس بدلاً عن التركيز على عيوب التنافس الواقعي مقارنة مع ذاك المثالي، والذي لا علاقة له بالحقائق المتوفرة. إني أقول بشكل مدروس بأنه "حيث يكون التنافس مقموعاً بشكل متعمّد" وليس فقط "حيث يكون غائباً"، ولأن آثاره الرئيسة تكون عادة فاعلة، وإذ كانت بشكل أبطأ، طالما لم يتم قمعه بشكل تام بمساعدة أو تحمّل السلطة، فإن الأضرار التي أظهرت التجارب بأنها النتائج المعتادة لقمع التنافس تقع على مستوى يختلف عن تلك التي قد تسببها عيوب عملية التنافس. وأخطر من حقيقة بأن الأسعار قد لا توازي حدود التكلفة هي حقيقة أنه ومن خلال الاحتكار المحصّن من الممكن أن تكون الأسعار أعلى بكثير مما يجب. ومن جهة أخرى؛ فإن الفاعلية العظمى المبنية على الاحتكار تسبب نسبياً ضرراً بسيطاً طالما أنها من المؤكد ستختفي بمجرد أن يصبح شخص آخر أكثر فاعلية في تلبية حاجة المستهلك.

أرغب في الختام أن أعود للحظة إلى النقطة التي بدأت من عندها وأعيد صياغة النتيجة الأهم و بطريقة أكثر شمولاً: إن التنافس بشكل أساسي هي عملية صياغة رأي؛ فهي ومن خلال نشر المعلومات تخلق وحدة وتماسك النظام الاقتصادي، والتي نفترض مقدماً وجودها عندما نفكر في النظام على أنه سوق واحدة. إنها تخلق الآراء التي لدى الناس حول ما هو أفضل وأرخص، وبسببها يعلم الناس على الأقل ما يعلمونه عن الاحتمالات والفرص التي لديهم في الواقع؛ فهي بذلك عملية تتضمن تغيراً مستمراً في البيانات، وبالتالي ستغيب أهميتها تماماً عن أية نظرية تتناول هذه البيانات على أنها ثابتة.

تعيد هذه المقالة إنتاج مادة محاضرة ستافورد لِتل التي تم إلقاؤها في جامعة برينستون في 20 أيار 1946.

ملاحظات:

[1] على الأخصّ الافتراضات بأنه يجب أن يسود سعر ثابت لسلعة معينة في جميع الأوقات في السوق بأكمله، وبأن البائعين ملمّون بشكل منحنى الطلب.
[2] "إن العلاقات الاقتصادية لا تكون أبداً على شكل تنافسي مثالي إذا ما تضمنت علاقات شخصية بين الوحدات الاقتصادية"، نظرية السعر، ص. 24 ، (1946)، جورج ستيجلر.
[3] إن التكلفة "الحاليّة" في هذا السياق تستثني جميع ما سلفها ولكنها تتضمن بالطبع "تكلفة الاستعمال".

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 1 نيسان 2006.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©