minbar projects
Advertisement
مقابلة مع فريدرك هايك
 
(1 صوت)
الكاتب/ فريدرك إي. هايك

تقرير كيتو للسياسات: ما الدور الذي من الممكن أن يلعبه معهد سياسات عامة كمعهد كيتو للحد من حجم التدخل الحكومي وزيادة الحرية الفردية؟

هايك: إنني في الواقع لا أستطيع التحدث عن معاهد بعينها، ولكن المعهد الوحيد من ذاك النوع والذي قمت بمراقبته منذ بداياته والذي إلى حد ما تقع على عاتقي مسؤولية بقائه هو معهد الشؤون الاقتصادية بلندن الذي أنشأه أنثوني فيشر الذي اعتَقَدَ أنه باستطاعتك أن تسيطر على الرأي العام، بينما الذي أصررتُ عليه وتم اتباعه بشكل قطعيّ من قبل المعهد كان ألا نحتكم إلى الأعداد الكبيرة بل إلى المفكرين؛ فأنا أؤمن بأنه على المدى البعيد يتم تحديد الرأي السياسي من قبل هؤلاء، وأقصد بهم—كما قمت إحدى المرّات بتعريفه—الوسطاء غير المباشرين في تداول الأفكار: الصحفيين ومدراء المؤسسات التعليمية وهلم جرا؛ فالاشتراكية في الواقع هي على الأغلب من شأن المفكرين لا الطبقة العاملة.

وهكذا بدأ المعهد بنشر كتيّبات أو كرّاسات صغيرة تتناول عدة مواضيع سياسية على مستوى يفهمه الشخص الحذق، ولكن ليس الشخص المتعلم بالمفهوم العملي؛ فهم لا يكتبون لشخص مختص بالاقتصاد ولا أيضاً لعامّة الشعب ولكن للشخص المتعلم المتمثل في مدراء المؤسسات التعليمية والصحفيين وهلمّ جرا.

لقد استغرق هذا الأمر وقتاً طويلاً لإثبات نجاحه، وقد تساءلت إلى حين فيما إذا كنت أفكر بطريقة صحيحة أم لا، ولكني أعتقد الآن بأنه أصبح أقوى وسيلة لصنع القرار في بريطانيا؛ فالآن عادة ما تحتوي محلات بيع الكتب رفاً خاصّاً بكراسات معهد الشؤون الاقتصادية، حتى أن الأشخاص على الرأي المقابل يشعرون بأنهم ملزمون بالبقاء على اطلاع على منشورات المعهد، وإنني أعتقد بأنه إذا كنت تبحث عن برنامج هنا في الولايات المتحدة فإن أفضل ما تفعله هو دراسة (كاتالوج) منشورات المعهد.

تقرير كيتو للسياسات: هل تعتقد بأن "النقدية" قد فشلت؟ وما الخلل الذي قد يكون في فرض قانونٍ نقدي يحدّ من نموّ أموال واسعة النفوذ؟

هايك: إنني لا أعلم ما هي "النقدية"؛ فإن كانت تعني مجرد نظرية كميّة قديمة جيدة؛ فبالطبع إنها لم تفشل، وإن كانت تعني ما أصدره ميلتون فريدمان على وجه الخصوص؛ فإني أعتقد بأنها قد فشلت لأنه يتصوّر بأنه يستطيع تحقيق—ومن خلال التجربة—علاقة كميّة واضحة ما بين كميّة من المال قابلة للقياس ومستوى السعر، ولا أعتقد بأن ذلك ممكن. في الواقع، وقبل حوالي أربعين عام؛ كنت قد أوردت في العبارات الاستهلاليّة لكتابي الأسعار والإنتاج بأنه سيكون من سوء الحظ كثيراً إن توقف الناس في أيّما وقت عن الاعتقاد بالنظرية الكميّة للمال، وأنه سيكون أيضاً أسوأ بكثير إن آمنوا بها حرفياً، وذاك هو تماماً ما يقوم به ميلتون فريدمان، حيث يتصوّر أنه من الممكن تحديد معدل معيّن للسلطات النقدية يجب عنده السماح بزيادة "كميّة" المال، ولابدّ أن أقول بأنني لا أعلم ما هي "كميّة" المال هذه بالمفهوم القياسيّ. لقد أصبح الأمر معقداً جداً، إنه يوجد هناك فصلٌ ما بين المقاييس النقدية M1 وM2، وهلمّ جرا، ولا أعتقد بوجود علاقة بسيطة كتلك.

عندما تقصد بـ"النقدية" بأنك تستطيع إرشاد السلطات النقدية—نظام الاحتياط الفيدرالي—إلى تعديل كمية المال للمحافظة على مستوى السعر ثابتاً؛ فإنني أعتقد بأن ذلك صحيح، ولكنه يجب عليهم من خلال التجريب معرفة ما عليهم فعله للمحافظة على مستوى السعر كذلك. إذا فهمت ما الذي يعتقده ميلتون فريدمان بشكل صحيح؛ بأنك تستطيع إخبارهم بزيادة كمية محددة جديرة بالملاحظة بنسبة 3% في السنة؛ فإنني أعتقد بأن ذلك هراء. وأقول هذا على الرغم من أن فريدمان صديق حميم لي وأنني معجبٌ بمعظم آرائه، لكن طريقته الكميّة في الاقتصاد تبدو لي أنها تتضمن فرطاً كبيراً في التبسيط وبشكل فادح على غير ما هي الأمور في الواقع.

تقرير كيتو للسياسات: ما الخطوات التي قد توصي بها لإعادة الولايات المتحدة لنموّ ورخاء اقتصايّ ثابت؟

هايك: إن ما أستطيع قوله عن الولايات المتحدة هو ذاته تماماً الذي كنت أعظ به في بريطانيا منذ توليّ السيدة ثاتشر للسلطة بأنه من الممكن سياسياً—من خلال كبح التضخم—إحداث 20% بطالة لستة أشهر، ولكنه ليس من الممكن سياسياً خلق 10% بطالة لثلاث سنوات، وإن قمت بذلك سريعاً فإنه من الممكن تحمّل حتى معدل مرتفع من البطالة، ولكن إن حاولت تحقيق ذلك ببطء وهدوء فمن المؤكد أنك ستفشل؛ لأنه في نهاية المطاف لن يصبر الناس على ذلك، ولكنهم سيتقبلونه إن حدث سريعاً.

أعتقد بأن كل إنهاء للتضخم—الذي هو بلا شك أهم أمر يجب عمله—لابدّ من تحقيقه بشكل أسرع بكثير مما قد تم فعله في بريطانيا، ولم يكن ذلك ذنب السيدة ثاتشر؛ فقد علمت بأنها لن تستطيع جعل مجلس الوزراء يتبعون رأيها، إنها تعترف بذلك، في الواقع لقد سمعتها تقول: "إن أحد أخطائي كان المضيّ ببطء أكثر من اللازم، لقد وجب عليّ القيام بذلك بسرعة أكبر بكثير."

إنني أعتقد بأن الأمر ذاته صحيح إلى حد ما بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أن أداءكم كان أفضل بكثير، فقد قمتم بخفض التضخم بشكل كبير منذ أن جاء ريغان إلى السلطة، ولكن هناك أمر واحد قد أرغب بإضافته وهو بأن تقليل التضخم ذو فائدة قليلة ما لم يصل ذلك إلى الصفر، وأي شخص يجادل في أنه لا بأس بالقليل من التضخم فهو مخطئ تماماً؛ لأن التضخم يثير الأمور فقط عند تسارعه، فإن عوّلت على القليل منه؛ من المؤكد أنك تزيد منه وسيتم دفعك نحو زيادته، لذلك لا يجب أن يكون الهدف التقليل من التضخم بل الرجوع إلى مستوى متوازن للسعر بأسرع ما يمكن.

تقرير كيتو للسياسات: واحدة من الأمور التي تحدث عنها أحد مستشاريّ ريغان كانت تطبيق اختبار التكلفة/النفع على التنظيمات، فهل من الممكن قياس التكاليف والمنافع وهل تحليل التكلفة/النفع برنامجٌ كافٍ لتحليل واختبار حلّ تلك التنظيمات؟

هايك: إذا تناولت كلمة " قياس" بالمعنى الحرفي لها فطبعاً لا، ولكن حتى الآن حيث بإمكانك بالكاد تقديرها فلابد أن تستدل بها، وأعتقد بأن الذي تتوصل إليه سريعاً هو أنه عملياً تكون التكاليف لجميع التنظيمات أكبر من المنافع. إنه من الأسهل النقاش حول التنظيمات بحد ذاتها بدلاً عن التظاهر بأنه في مقدورك اختيار تلك التي تكون فيها التكاليف أكبر من المنافع بشكل واضح. إن هناك فهماً جيداً من وراء الجدال حول التكلفة/النفع ولكنني لا أعتقد بأنه ذو قيمة عملية كبيرة.

تقرير كيتو للسياسات: ما الإصلاحات التي قد تقترحها في نظامنا النقدي؟

هايك: حسناً، إنني قد يئست من أن نجد أبداً طريقة لكبح سوء استعمال الحكومة لأية أموال قد تتداولها، واقتراحي بنزع ملكية الحكومة القومية وإعادة الأموال إلى الملكية الخاصة كان دوماً خيالياً إلى حد ما؛ لأن الحكومات لن تسمح أبداً بالتنافس الحر في مجال العمل هذا. إنني أؤمن بوجود طرق للتحايل على هذا الأمر، وإن رؤيتي الحالية—التي أتمنى أن يتم عمّا قريب إعلانها بالتفصيل—هي بأنه ربما يوجد هناك احتمال لعدم إصدار عملة ولكن البدء بحسابات ائتمان تحت أي اسم آخر، كأن تسمي الوحدة بـ"حالة ثبات" وتعد باسترجاعها بما يكفي من أية أموال متداولة يستلزمها شراء قائمة معينة من المواد الخام. وبذلك فإنه لا يتضمن إصدار أية أموال متنقلة ولكنه يمكّن حامل السند الاحتفاظ بوحدة ثابتة على شكل ائتمان، وما أن تنجح في تحقيق ذلك ستكون الخطوة اللاحقة إصدار بطاقات ائتمان بهذه الحسابات، وعندها ستكون قد تغلبت على احتكار الحكومة بأكمله. وحيث أنه من غير العمليّ سياسياً تجريد الحكومة من احتكارها فلابدّ أن تتحايل عليه.

تقرير كيتو للسياسات: عدا عن الإصلاح النقدي، ما هي نوعية المحددّات أو القيود التي باعتقادك من المعقول فرضها على الحكومة في مجتمع غربيّ ديمقراطيّ؟

هايك: أعتقد بأنه يحتاج ذلك إلى تغيير في النظام الدستوريّ. يجب علينا حقيقةً إعادة عمل وبطريقة مختلفة ما حاول العالم أن يفعله في القرن الثامن عشر عندما تمنوا بأن مبدأ فصل السلطات كان معداً كـ"تقييد" للديمقراطية ولكنه لم يحقق ذلك. أعتقد بأنه يجب علينا ابتكار طريقة جديدة.

تقرير كيتو للسياسات: بروفيسور هايك، متى أدركْتَ الوظائف المُحفِّزة والمعلوماتية المهمة التي تلعبها أسعار السوق؟

هايك: حسناً، إنها قصّة عجيبة جداً، فبطريقة ما تمّ توجيهي نحو التركيز على الأسعار كمؤشر لما ينبغي فعله. لقد كان ذلك مقالاً كتبته عام 1963 بعنوان "الاقتصاد والمعرفة" والذي تم كتابته أصلاً لإقناع صديقي العظيم وأستاذي لودفيغ فون ميزس لماذا لم أستطع تقبل تعليمه كله. إن الموضوع الرئيسي للمقال كان إظهار بأنه بينما كان صحيحاً تماماً بأن ما أسميته منطق الاختيار—تحليل الفعل الفردي—كان كأيّ منطق آخر موضوعاً ذا أولوية؛ إن زعم ميزس بأن تحليل السوق بأكمله هو أمر ذو أولوية كان خاطئاً ذلك لأنه اعتمد على معرفة تجريبية، فهو يعتمد على كون مسألة المعرفة منقولة من شخص لآخر.

الآن وبشكل عجيب قام ميزس—الذي عموماً ما كان يمتعض كثيراً من المقالات النقدية لتلاميذه—بمدح مقالي ذاك، لكنه لا يبدو بأنه أدرك أبداً لأيّ مدىً شكل تحويلاً عن فكرته الأساسية، ولم أستطع مرة أن أجعله يعترف بالشكل الذي قد تصوّرت أن يكون عليه الأمر بأنني أدحضت زعمه بأن تحليل اقتصاد السوق كانت عملية ذات أولوية، وبأنه كان أمراً تجريبياً.

إن الذي كان ذا أولوية كان المنطق من ورائه—منطقاً في الفعل الفردي—بأنه عند مرورك بأداء أحد الأشخاص تحدث هناك عملية سببية لشخص يؤثر على الآخر ويتعلم. وهذا لن يكون أبداً أمراً ذا أولوية، فلابدّ أن يكون هذا أمراً تجريبياً تماماً. وبمتابعة هذه الفكرة كانت بداية هذا الأمر؛ فلقد قادني ذلك إلى البحث في أهمية الأسعار المتشكلة في السوق كدلائل على الأداء الفردي، ومنذ ذلك الوقت، أي منذ ما كان في الأصل انتقاداً لأستاذي ميزس، قمت بتطوير هذه الفكرة للوظيفة الإرشادية للأسعار والتي أعتبرها ذات أهمية متزايدة، والتي قمت بتطبيقها على تأثيرها على تثبيت الأسعار، وعلى تقييد الإيجار، وعلى استثمار رأس المال.

ومن خلال هذا كله، ما نتوصل إليه هو أننا نستطيع تحقيق حالة من التوافق بين الجهود المتفرقة فقط إذا اعتمدنا على الأسعار كدلائل تخبر الناس ما يجب عليهم فعله.

إنني شخصياً مقتنع بأن السبب الذي وجّه المفكرين—خصوصاً في العالم الناطق بالإنجليزية—نحو الاشتراكيّة كان رجلاً اعتبر بطلاً عظيماً لليبرالية الكلاسيكية: جون ستوارت ميل؛ ففي كتابه المشهور مبادئ الاقتصاد السياسي، الذي صدر عام 1848، والذي تم قراءته بشكل واسع كمرجع في هذا الموضوع لعدة عقود مضت، يدلي بالعبارة التالية عند انتقاله من نظرية الإنتاج إلى نظرية التوزيع: "متى قد توفر المُنتَج يستطيع الإنسان—اجتماعياً أو فردياً—أن يفعل به ما يشاء." الآن، لو كان ذلك صحيحاً لاعترفت بأنه التزام أخلاقي واضح بأن نشاهده يتم توزيعه بعدالة، ولكنه غير صحيح؛ لأنه إن فعلنا بذلك المُنتَج أيّاً ما نشاء فإنه لن يكون متوفراً ثانية إطلاقاً؛ لأنه إن قمت بذلك مرة واحدة فقط فلن ينتج الناس تلك الأشياء مرة أخرى.

تقرير كيتو للسياسات: برفيسور هايك، إننا نسمع اليوم الكثير عن الخطر على التجارة العالمية من خلال جولات جديدة من الحمائية (سياسة حماية الصناعة الوطنية من خلال فرض رسوم جمركية على السلع المستوردة)، ما النصيحة التي من الممكن أن تقدمها للقادة السياسيين وكذلك لشعوب الدول الغربية الذين قد يكونوا قلقين بشأن المعايير الحمائية الجديدة؟

هايك: ربما أكون مبالغاً في تفاؤلي ولكنه هنالك أمر واحد قد تم فهمه—على الأقل من قبل الأشخاص الأكثر مسؤولية—وهو بأنه لم يسبب شيء في زيادة الركود الاقتصادي عام 1930 أكثر من العودة إلى الحمائية. إنني لم أجد حتى الآن أي شخص حين يتم تذكيره بتلك الحقيقة يستمر في اعتقاده بأنه قد يكون من الضروري إعادة تفعيل تلك الحماية.

تقرير كيتو للسياسات: في مقابلتك الحديثة مع النيويورك تايمز قلت: "كان كينز من أكثر الناس ذكاءً ممن عرفتهم؛ لكنه فهم القليل جداً في علم الاقتصاد"، كيف تفسر تأثيره العظيم في الدوائر الصانعة للسياسات وكذلك بالنسبة لتأثيره في المجتمع الأكاديميّ؟

هايك: حسناً، إن تلك مشكلة صعبة جداً، فلقد كان على اتفاق تامّ مع الحركة الفلسفية التي اجتاحت ذلك الجيل—التي قد أسميتها أفكار العقلانيين أو الاستنتاجيين—والتي استنبطت منذ عدة عقود من الفلاسفة الفرنسيين. لقد علَّمتْ تلك الأفكار: "لا تصدّق أي شيء لا تستطيع أن تبرره عقليّاً،" وقد تم تطبيق هذا أولاً في العلوم ثم تم تطبيقه كذلك على علم الأخلاق: "لا تأخذ بعين الاعتبار كأمر مُلزم أية أخلاق لا تستطيع أن تبررها عقليّاً،" وقد عنى ذلك الآن في شخص كينز أمران اثنان والذي هو نفسه قد صرّح بهما، فقد اعترف على الملأ بأنه كان دائماً لا أخلاقياً، وقد تضمّن ذلك العبارة الشهيرة: "جميعنا موتى في نهاية المطاف." والآن فإن الميزة الكبيرة للأخلاق التقليدية هي بأنها قد تطورت ونمت من خلال آثارٍ تقع على المدى البعيد، والتي لم يتوقعها أو يفهمها الناس أبداً. وإن مزايا مؤسسات الملكية الفردية والادخار هي بأنه على المدى البعيد قد ازدهرت تلك المجموعات التي قد تقيدت بها.

وبشكل مماثل، فإن وظيفة نظام السوق ومنافعها هي آثار أبعد من رؤيتنا وأبعد من إدراكنا. والآن، فإن أي فيلسوف يقول: "يجب أن أعترف فقط بالذي أستطيع تبريره عقلياً" يجب أن يستثني الآثار التي لا يمكن التنبؤ بها، ويجب عليه أن يرفض الاعتراف بنظام أخلاقيّ قد تطور بسبب تأثيره الواقعي. إن واضعيّ النظرية النفعيّة اعتقدوا—كذلك ميزس قد اعتقد بهذا وبقوة—بأن الإنسان قد اختار أخلاقياته بفهم بارع لآثارها الجيدة، ولكن هذا غير صحيح؛ فإن معظم آثار الأخلاق لا نستطيع التنبؤ بها لأنها أبعد من رؤيتنا.

إن ذلك التأثيرعلى السوق خاصة هو أنه بإمكاننا أن نخدم أناساً لا نعرفهم، ونستطيع كذلك الانتفاع من خدمات أناس نجهل عنهم، وباختصار فإننا نستطيع تشكيل نظام من النشاطات أبعد بكثير من إدراكنا. وينطبق هذا كذلك في أدائنا للمستقبل؛ فأخلاقياتنا تعلمنا بأن الادخار أمر جيد لأنه سيساعد الأجيال المستقبلية، ولكن ذلك ليس بأمر ندركه من خلال التجربة، فكل ما نعلمه بأن تلك المجموعات الاجتماعية التي كان الادخار من أخلاقياتها قد ازدهرت، وحلت تدريجياً محل غيرها. ببساطة يجب علينا إدراك بأن أخلاقياتنا التقليدية لا يتم التصديق عليها بسبب أنه نستطيع بيان كم هي مفيدة لنا؛ ولكن فقط بسبب أنه قد تم إثبات صحتها خلال عملية "الانتقاء".

بذكر الانتقاء فإنني أتناول أحياناً الانتقاء الطبيعي للأديان: فتلك الأديان التي وعظت بالأخلاقيات السليمة استمرت ومكنت مجموعتها من الانتشار. إنها ليست براعة أجدادنا التي خلفتنا مع أخلاقيات أكثر فاعلية؛ ولكن—وكما أحب أن أعبر عنه بطريقة تفاجئ الناس—أجدادنا هؤلاء كانوا حقاً خنازير غينيا (حيوانات اختبار) الذين اختبروا واختاروا الطرق السليمة التي تم نقلها إلينا، ولم يكن ذلك بالضرورة ذكاءً خارقاً منهم؛ بل بالأحرى اتُّفِق أنهم كانوا على صواب فتضاعفت نجاحاتهم وحلوا محل الآخرين الذين آمنوا بأخلاقيات مختلفة.

وهكذا فإن الاختلاف بيني وبين كينز مبني في الحقيقة على اعتقادات مختلفة حول تأسيس الأخلاق؛ فلقد آمن وجزم كينز بـ "أنني مستعد فقط للاعتقاد بتلك القواعد التي أستطيع رؤية آثارها،" ولكن في الواقع فإن المدنيّة قد تشكلت من خلال تعلم الإنسان التكيّف مع قواعد السلوك التي تكون آثارها أبعد من تصوره. لقد توصّلتُ حديثاً إلى صياغة جديدة أفضلها عن غيرها، وهي بأن ابتكار أو تطوير مقادير السوق بالنسبة إلى ابتكار عضو حسّي جديد في تأثيره، شبيه بتطور حاسة البصر بالإضافة إلى حاسة اللمس؛ فحاسة اللمس تقدم معلومات فقط حول البيئة المباشرة على قدر شعورنا بها، بينما تمكّننا تكوين حاسة البصر في تطور الحيوانات بتقييم بيئة أوسع لكن ضمن مجال تدركه حواسنا. والآن أصبح السوق كنوع من—كما يسميه علماء الأحياء—عضو خارج-جسميّ أو عضو إحساس خارجيّ، والذي يخبرنا بأشياء لا ندركها جسدياً؛ فنحن لا نرى فوائد أدائنا ولا نرى من أين تأتي تلك الفوائد، لكننا طورنا آلية تخدم كعضو للمعلومات يعمل بشكل مشابه جداً للأعضاء الحسية، ولكنه يمكّننا من تعديل أدائنا إلى أحداث تكون أبعد من إدراكنا الحسيّ.

تقرير كيتو للسياسات: ما العيوب التي تراها في فكرة اقتصاد السوق الحرّ الحاليّة؟

هايك: إن لدي تقصيران اثنان في نشاطاتي كثيراً ما أندم عليهما: الأول هو عندما استنبط كينز نظريته العامة—بعدما قد كرست الكثير من الوقت في نقد رسالته في المال—وأخبرني بأنه لم يصدق أحد في الذي قد بذلت الوقت الكثير في نقده، فلم أرد على تلك التهمة ولم أهاجم مطلقاً نظريته العامة بالشكل النظامي الذي يجب أن يكون.

والأمر الثاني الذي أندم عليه هو عندما قام ميلتون فريدمان—الذي كان زميلاً وصديقاً حميماً لي—بوعظ الاقتصاد الوضعي (اليقيني)؛ لم أهاجم عمله هذا، فالاقتصاد الوضعيّ مبني في الحقيقة على الفكرة ذاتها بأننا نستطيع تشكيل سياسة مناسبة على افتراض المعرفة التامة بجميع الحقائق المتعلقة بالموضوع. في الواقع، إن تحقيق نظام السوق هو ما نستطيع فعله بشكل أفضل بكثير مما قد كنا نفعله فيما إذا اعتمدنا فقط على ما نعلمه على وجه اليقين. إنه بإمكاننا الاستفادة من هذا النظام الإيمائيّ—كما أسمّي السوق—الذي يخبرنا عن أشياء لا نستطيع إدراكها بشكل مباشر أو التي فقط تنتقل إلينا، وينطبق ذلك على كلا الحالتين: مكانياً وزمانياً؛ فنحن نتعلم أن نكيّف أنفسنا نحو أحداث أبعد من رؤيتنا مكانياً، كالتي تقع في قارات أخرى، ونتعلم أن نكيّف أنفسنا مع أمور سوف تقع في المستقبل البعيد الذي لا تبلغه رؤيتنا. إن علماء الاقتصاد الرياضيّ يتحدثون عن المعرفة "المعطاة" على وجه الخصوص، أي البيانات "المعطاة". لاحظ كيف أن الاستخدام للكلمة يفيد التكرار: فـ"البيانات المعطاة" تعني "مُعطاة المعطيات". إن كان لديهم شك بأن الأشياء ليست في الحقيقة معطاة لهم فإنهم يطمئنون أنفسهم بتسميتها "البيانات المعطاة"، ولكن في الواقع فإن البيانات هي ادعاءات فرضيّة، ولا يعلم أحدٌ جميعها، و تصبح ذات فاعلية وتمكّننا من تشكيل ترتيب مناسب فقط من خلال نظام النقل في السوق هذا، والذي عن طريق عدة مراحل متتابعة وتغيرات حدثت في مكان ما في نيوزيلاندا ما زالت تؤثر على أدائي من خلال التأثير على أسعار المنسوجات الصوفية أو أسعار الأراضي وإرشادي في الذي يجب علي فعله.

بذلك فإن الأمر برمته إرشاديّ، كما قد ذكرته سابقاً، إنه نظام معلوماتيّ، كالذي ذكره آدم سميث بشكل عارض قبل 200 سنة مضت. وفي العديد من المجالات فإنني أجد حكمة في آدم سميث أكثر منها في معظم علماء الاقتصاد الكلاسيكيين الذين ظهروا بعده—ناهيك عن علم الاقتصاد الرياضيّ المشهور—والذي هو أمر جميل جداً وغاية في الصحة إذا افترضتَ أن جميع البيانات معروفة؛ ولكنه يغدو هراءً عندما تتذكر بأن هذه البيانات غير معروفة لأحد.

تقرير كيتو للسياسات: هل تعتقد بأن الفلسفة الوضعية (اليقينية) كمنهجية وطريقة تفكير تميل إلى توجيه خبراء الاقتصاد نحو الإيمان بأن بإمكانهم الانسجام والتدخل في الاقتصاد لتحقيق نتائج متوقعة؟

هايك: نعم وبقوة؛ فأنا نفسي قد بدأت كمؤيد للفلسفة الوضعية في مجموعة (إيرنست ماتش) في فيينا، ثم تغيرتُ تدريجياً—وبالرغم من نزاع ميزس ضد الوضعيّة؛ سأقول بأنه حتى هو كان مازال في أعماقه وضعياً ولم يحرر نفسه بشكل كامل من افتراضاتها—والذي بطريقة ما يعود في الحقيقة إلى رينيه ديكارت. حيث أن الفكرة الأساسية الكاملة للوضعيّة—بأن معرفتنا مبنيّة على مشاهدات معينة للعالم الخارجي—تعود لديكارت.

تقرير كيتو للسياسات: بروفيسور هايك، فقط سؤال واحد أخير، ماذا يجب أن يكون دور خبير الاقتصاد كمستشار للسياسات؟

هايك: بإمكانك إما أن تكون خبير اقتصاد أو مستشارا للسياسات. والآن في الختام دعني فقط أخبرك قصة أخرى كنتُ قد اطلعت عليها فقط مؤخراً: تعلم بأنني قد تنقلت كثيراً من بلد إلى آخر، ولكن من المؤكد أنه قد لفت انتباهي بأن في كل حالة كنت قد تركت المكان بمجرد أن يتم تهديدي بالاستغلال لأهداف حكومية؛ ففي النمسا، في نهاية العشرينيات أو بداية الثلاثينيات كنت قد تم استدعائي تواً ولأول مرة للانضمام إلى هيئة حكومية، وخلال ستة أشهر كنت قد غادرت البلاد.

إستغرقني الأمر في بريطانيا وقتاً أطول بقليل؛ في عمر 19 عاماً تم استخدامي للمرة الأولى في مهمة للمكتب الاستعماريّ وبعد مرور ستة أشهر كنت قد غادرت البلاد. في الولايات المتحدة، حيث مكثت 12 عاماً في شيكاغو، ولم يطل الأمر كثيراً حيث أنه في الوقت الذي طلب مني فيه الانضمام إلى هيئة حكومية كنت قد أعددت نفسي مسبقاً لمغادرة البلاد. لقد تجنبت أثناء تنقلي حول العالم ذاك الفساد الذي عادة ما يتضمّنه العمل الحكوميّ.

والأكثر أسفاً ما رأيته في بعض أصدقائي المقربين والمتعاطفين—دون ذكر أسماء—الذين اتفقوا معي كلياً كيف أن سنوات قليلة في الحكومة أفسدتهم فكرياً وجعلتهم غير قادرين على التفكير السويّ.

أعتقد أنكم جميعاً تعلمون القصة المشهورة عن "الخبير الاقتصاديّ من ناحية واحدة" حيث أعلن مدير أمريكي لإحدى الشركات الكبرى عن حاجته لـ"خبير اقتصاديّ من ناحية واحدة" وقد احتار مساعدوه بالذي قصد به، وقد أجاب: "آه، إنني أريد شخصاً لا يقول من ناحية وأخرى،" وأخشى بأن جميع الناس الذين كانوا في العمل الحكوميّ أصبحوا خبراء اقتصاد من ناحيتين بحيث يفكر بلغة من ناحية وأخرى؛ فإن بقي الشخص بعيداً عن العمل الحكوميّ فإنه يبقى خبيراً اقتصادياً من ناحية واحدة بحيث يؤمن بوجود سبيل واضح يجب علينا المضيّ فيه، لكن يحافظ المرء على قناعته هذه فقط طالما بقي بعيداً عن الحكومة. إن جميع أصدقائي الذين انخرطوا في ذلك ومكثوا فيه لأي فترة من الزمن قد تم في رأيي إفسادهم.

تقرير كيتو للسياسات، شباط 1983.

© معهد كيتو، منبر الحرية، 15 أيار 2006.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©