| الملف النووي الإيراني.. واقع وتحديات |
|
|
الكاتب/ نبيل علي صالح
|
|||
|
لا شك أن لإيران موقعاً حيوياً واستراتيجياً في مجمل الخريطة الجغرافية والسياسية للمنطقة العربية والإقليمية المجاورة لها.. وهذا ما يدفعها باستمرار إلى محاولة لعب أدوار متعددة ومتنوعة ومتداخلة وأحياناً متناقضة (كما ظهر في تأييدها للأرمن على حساب شيعة أذربيجان) من حيث المحتوى والهدف والوسائل والأهمية في كل ما يتصل بسياسات وأحداث وتفاعلات المنطقة.. في وقت يتطلع جيران إيران إلى الأهمية الكبرى للأخذ بأسباب الحوار والتفاهم والتكامل بينهم وبين إيران، وخصوصاً منهم تلك الدول العربية المطلة على الخليج العربي. أما في العصر الحاضر فقد تبوأت إيران هذا الموقع السياسي والديني المتقدم بعد اندلاع الثورة الإسلامية واستلام التيار الإسلامي الشيعي دفة القيادة منذ العام 1979م، من خلال هذا الزخم المعنوي الهائل الذي حظيت به قيادة ونهج قائد الثورة أية الله الخميني، والتفاف الشعوب الإيرانية حوله (على اختلاف مذاهبها واعتقاداتها وتنوعها الحضاري والأقوامي). وقد حاولت الدول والقوى الكبرى بعد ذلك احتواء وإشغال تلك الثورة الفتية بحرب عبثية طويلة الأمد، ولكن إيران تمكنت في النهاية من الالتفاف على الظروف الدولية المحيطة لتحقق مستوى مهماً من الاستقرار والنمو والانفتاح السياسي عبر بناء شبكة علاقات خارجية وحياة سياسية واقتصادية مقبولة. طبعاً لا يعني هذا الكلام الإيجابي الواقعي –كما نعتقد- عن الثورة الإسلامية الإيرانية، أن إيران ما قبل الحكم الديني الإسلامي (زمن الشاه) لم تكن موجودة أو لم يكن لها دور ما في سياسات واستراتيجيات المنطقة.. بالطبع لا، فإيران الشاه كانت من الدول الرئيسية في المنطقة، وهي استفادت من علاقاتها الإيجابية مع الغرب لبناء قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة، كما أن البدايات الأولى للبرنامج النووي الإيراني تعود إلى حقبة الشاه في منتصف الستينات من القرن الماضي، ولكن الأمر المستجد هو حدوث تحول جوهري ونوعي كبير في وجهة وهدفية هذه السياسة الإيرانية وتحولها الكامل من حليف مطلق للغرب إلى شبه عدو له، وتكويعها بنسبة 180 درجة عن سياساتها السابقة لتتحول من مجرد دولة منفعلة ومنفذة للمصالح والسياسات الغربية إلى دولة معادية بالكامل لثقافة الغرب وسياسته وخياراته وقبل ذلك لنظرته الكونية والفلسفية والدينية.. ولذلك كان من الطبيعي -بالاستناد إلى ذلك- أن ترتفع أشرعة المواجهة وخطابات التطرف والتحدي بين الجانبين منذ تلك الفترة، تخللتها استراحة المحاربين خلال فترة حكم الزعيم الإصلاحي المنفتح محمد خاتمي الذي استطاع خلال رئاسته إعادة تلميع (وتأهيل وترشيق) صورة النظام الإيراني المهتزة لدى أبنائه وأصدقائه وحتى أعدائه (حيث كانت قد علقت بتلك الصورة شوائب كثيرة في مجمل علاقات النظام الداخلية والخارجية) ومحاولة الحد من الخسائر السياسية والاقتصادية، وتدهور علاقة إيران بالخارج من خلال فتح أقنية الحوار والتفاهم، وتخفيف التوتر مع العرب والغرب، وتجفيف بعض منابع التطرف الديني والسياسي هنا وهناك وفي غير ملف شائك متعلق بعلاقات إيران مع جيرانها أو مع أميركا والغرب عموماً.. حتى أن الأمم المتحدة أعلنت العام 2001م عام الحوار بين الحضارات بناء على اقتراح خاتمي في ذلك الحين، واستجابة لرغبته ومنهجيته وسلوكيته المريحة التي خلقت أجواء سياسية ودبلوماسية هادئة وعقلانية في المنطقة والعالم وفرت لإيران مناخات دافئة في مجمل علاقاتها السياسية الخارجية.. وقد أدى هذا المناخ الإيجابي إلى تركيز كثير من تصورات ومفاهيم السياسة الحديثة في داخل البنية "الفكرية-السياسية" الإيرانية الخاتمية –إذا صح التعبير- عبر تبني قضايا حقوق الإنسان والحريات السياسية والحريات الإعلامية والفكرية حتى أصبحت مناقشة وتحليل وحتى التشكيك بقضية أساسية (تدخل ضمن التكوين والبنية العقائدية للإسلام الشيعي الإيراني) كقضية ولاية الفقيه، مسألةً طبيعية وعادية في داخل أروقة صناع القرار السياسي الإيراني آنذاك.. ولكن تلك المرحلة المستقرة والمنفتحة والهادئة مرت وانقضت من حياة إيران وكأن شيئاً لم يكن، ولم يستطع خاتمي خلالها (لضعف تياره وتشتت نخبه، وعدم وجود مناصرين حقيقيين له ولأفكاره في صفوف الجيش والحرس الثوري وقوى وأعمدة النظام الأساسية) تأصيل وتركيز منهجه الفلسفي الفكري وخطه السياسي العملي القائم على ما أُطلق عليه آنذاك بالـ"ديمقراطية الإسلامية"، التي حاول من خلالها المزاوجة بين قيم الإسلام و مختلف أفكار ومناهج وفلسفات العصر السياسية والاجتماعية الحديثة من دون تفريط أو إفراط، بحيث يأخذ النظام الكثير من مفاهيم ومبادئ السياسة الغربية الحديثة المرتكزة على فلسفة التنوير والحداثة الغربية كفلسفة حقوق الإنسان وحق تداول السلطة والسماح بتعدديتها، وحق التنظيم والتحزب والتعبير عن الرأي والمواطنة الصالحة.. ووالخ. وأما النخبة السياسية الإيرانية الحاكمة حالياً فهي لا تزال تفكر وكأن منطق وعصر الثورة قائم حتى الآن، ولذلك فهي تحاول تثبيت سياساتها وأفكارها السجالية الثورية عبر حياكة أكثر من ملف شائك في المنطقة، ولا يوجد ملف جاهز ومتداخل يمكن أن ترتكز عليه تلك السياسات والاستراتيجيات الحربية والخطابات العصبية للنظام الإيراني أفضل وأهم وأكثر فعالية لاستعادة الدور وتركيز وضعية النظام والتفاف الناس حوله والتأكيد على مصداقيته الداخلية من هذا الملف النووي الذي يخول الإيرانيين رفع الصوت عالياً في تأكيد حق بلادهم امتلاك القوة والمقدرة النووية للاستخدامات السلمية وربما أيضاً للاستخدامات العسكرية. ولكن هذا البرنامج النووي الإيراني بكافة تشعباته وتعقيداته –الممتدة لأكثر من ثلاثين سنة مضت- لا يزال يثير جدلاً حاداً وشكوكاً وهواجس واسعة مقلقة لدى دول وقوى إقليمية ودولية كبرى، حول طبيعة الدوافع التي تحركه، والأهداف والطموحات التي تسيره.. فالغرب يتهم إيران بالسعي الحثيث لامتلاك أسلحة نووية لتهديد إسرائيل ودول الجوار في الخليج، وهو يجري معها –في الوقت نفسه- مفاوضات ومباحثات مستمرة حول طبيعة برنامجها النووي وخلفياته وأغراضه، ويقدم لها حوافز ومغريات كثيرة لإيقاف عملية تخصيب اليورانيوم التي بدأتها إيران منذ فترة.. طبعاً لا حاجة بنا لإعادة التذكير هنا بأن الموقف الأمريكي أكثر جذرية في التعامل مع الملف النووي الإيراني من الموقف الأوروبي، وهو يعبر عن سياسة الكيل بمكيالين التي اعتاد الغرب (وتحديداً أمريكا) على اتباعها في التعاطي مع كل ما يتصل بشؤون وملفات منطقتنا العربية وبخاصة ملف أسلحة الدمار الشامل، ففي الوقت الذي تسمح فيه هذه القوى للدول الصديقة والحليفة لها بتطوير برامجها النووية سلمياً وعسكرياً، نجدها تقف بالمرصاد للدول الأخرى المعادية لها؛ فالولايات المتحدة كانت أولى الدول التي سارعت إلى تقديم المساعدة والدعم التقني لإيران من أجل البدء في تطوير برنامجها النووي، وذلك إبان نظام حكم الشاه "رضا بهلوي" حليفها (وشرطيها) السابق في المنطقة، كما كانت أول من ساهم في بناء أول مفاعل نووي إيراني، رغم علمها أن مركز الأبحاث النووية في طهران يعكف على دراسة تصميمات الأسلحة واستعادة البلوتونيوم من الوقود المستنفد داخل المفاعلات الإيرانية. بيد أن السياسة الأمريكية انقلبت رأساً على عقب بعد اندلاع الثورة وسيطرة الإسلاميين على الحكم في طهران عام 1979م. وإذا ما أردنا أن نتحدث عن الأحقية القانونية –كما تقول إيران على الدوام- للدول بامتلاك الطاقة النووية، فإن القانون الدولي (الذي ترعى كل من الأمم المتحدة وهيئة الطاقة الذرية الدولية تنفيذ بنوده والسهر على نزاهة تطبيقها) يحفظ ويوفر الغطاء القانوني المطلوب للدول التي تريد بناء مفاعلات نووية لاستخدامها في توليد ما تحتاجه من طاقات لتنمية مجتمعاتها.. ولكن القانون الدولي لا يقر ولا يعترف بحق أية في بناء برنامج نووي للأغراض العسكرية بما فيها إسرائيل. والملاحظ أن الخطاب السياسي الإيراني الداعي إلى حق إيران قانونياً بالتقنية النووية السلمية، يتمظهر في الواقع العملي على شكل أيديولوجيا عقائدية دينية محملة بحمولات وجرعات عالية الشحنة من النصوص والموروثات التاريخية الإسلامية، مما لا يزال يؤثر سلباً على مجمل علاقات إيران بمحيطها الخارج. فدول المجلس الخليجي تتبنى موقفاً يؤمن بمبدأ وجوب قيام اتفاق إقليمي يشمل منطقة الخليج وربما منطقة الشرق الأوسط عامة، ويشمل إسرائيل بشكل خاص هدفه ترسيخ الأسس القانونية لإعلان المنطقة "منطقة منزوعة السلاح النووي" أو "منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل". ولكن لإيران كلمة أخرى في هذا الموضوع، فهي تصر إصراراً شديداً على برنامجها النووي، وهي تعتبر أن هذا الامتلاك للقوة النووية يكسبها دوراً مفقوداً ومستعاداً في إطار استراتيجية شاملة تحاول من خلالها –خاصة بعد انكسار شوكة الدولة والقوة العراقية، وحصول إيران على نصر بلا حرب قدمته إليها أمريكا على طبق من ذهب - فرض دورها الرعائي على دول المنطقة انطلاقاً من حجمها ومكانتها وأسبقيتها العليمة النووية وامتداداتها المرجعية الدينية.. ولكن الشيء الذي ينبغي على القيادة الإيرانية إدراكه ووعيه –في هذا المجال- أن القوة النووية لا تكسب أصحابها –في كثير من الأحيان- قوة سياسية مؤثرة، كما لا تقدم لهم دوراً إقليمياً مميزاً أو جانباً مهاباً بين جيرانها لكي يتخلصوا من سيطرة أمريكا ليقعوا لاحقاً تحت سيطرتها.. فالدور يبنى بالحوار والتفاهم والتكامل خصوصاً في ظل عالم كبير متشابك ومتداخل لم تعد فيه للدول القدرة على ضبط أوضاعها وحدودها من دون تعاون بناء مع جيرانها.. فالدور المنضبط المسؤول والمحدد الذي ليس فيه تجاوز على حدود ومصالح ومسؤوليات الآخرين وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية هو المطلوب وهو الذي يمكن الحديث والتعاون والتفاهم بشأنه. ومن الطبيعي – في هذا السياق- حدوث تنوع واختلافات وتعددية في وجهات النظر، فهذا أمر طبيعي صحي، ولكن تحويل الاختلاف إلى خلاف وتصعيد الخطابات الاستفزازية من دون وجود أدنى قاعدة عقلية دبلوماسية تضبط التصريحات والعلاقات وتحميها من الهزات المتكررة التي تتعرض لها هو الأمر المرفوض الذي يؤسس لعلاقات تنابذية واستقطابية وعدائية بين إيران ودول المنطقة والإقليم المجاور لها كما هو حالنا اليوم. من هنا نحن نعتقد أن السياسة الرشيدة والدبلوماسية العاقلة والمنفتحة (التي تنظر بوعي عملي إصلاحي لسلبياتها ونقائصها قبل الحديث عن نقائص وسلبيات وعقد الآخرين) هما ركيزتا الحل لإشكالية الملف النووي الإيراني، ولمجمل تعقيدات ونزاعات المنطقة وخلافاتها المتصاعدة، ونحن حقيقةً لسنا بحاجة لحروب وفتن واضطرابات جديدة، ففي منطقتنا العربية والإسلامية اليوم ما يكفي من بؤر التوتر المشتعلة والمتفجرة والقابلة للتفجير في أية لحظة، والتي لها دعاتها ورموزها وربما دولها التي تجد نفسها قوية ومشدودة الأزر في أجواء القلق ومناخات التوتر والتناقض. والمطلوب في هذا السياق بناء موقف عربي موحد من القضية النووية الإيرانية ينطلق من ضرورة عدم الانجرار وراء المواقف والسياسات الغربية الحادة، ورفض جدي حازم من جانب الدول العربية مجتمعة تصعيد الملف إلى مرحلة الحرب العسكرية بين إيران وأي من القوى الإقليمية والدولية (الولايات المتحدة وإسرائيل)، وإعادة التأكيد على الحوار وفتح قنوات التفاهم، فذلك هو السبيل لإقناع إيران بأن يكون برنامجها النووي للأغراض السلمية، وبالتالي التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي، وهذا يتطلب تعزيز الثقة بين أطراف المنطقة أكثر، وتوسيع نطاق التعاون بين دول المجلس وأطراف دولية وإقليمية تعد نفسها في دائرة الاهتمام بالمسألة. ولكن يبدو أن الواقع السياسي القائم في المنطقة والعالم أشد تعقيداً من الرغبة والأمنية والعاطفة، فالغرب وأمريكا وإسرائيل قد حسموا أمرهم بعدم السماح لإيران بالحصول على السلاح النووي مهما كانت الظروف والأحوال، وحتى لو استدعى ذلك تدخلاً عسكرياً محدوداً أو واسعاً (يعتبر الساسة الغربيون حصول إيران على التقنية النووية العسكرية أكثر تكلفة من فاتورة أي حرب ضدها).. وأما بالنسبة للدول العربية –وتحديداً دول الخليج- فإنها تقف اليوم في وضع صعب، وهي تظهر على الملأ كمن يبلع الموس (السكين) على الحدين، فهي من جهة تسمع يومياً خطابات التحدي والتصميم الإيرانية بالسعي لامتلاك التقنية والسلاح النووي، وترى بعيونها المناورات العسكرية الإيرانية المتواصلة تطرق أبوابها، وهي من جهة أخرى تجد هذا الحزم والإرادة الدولية الصلبة لكل من (إسرائيل وأمريكا والغرب) في منع حصول إيران على القدرات النووية بجميع الوسائل المتاحة أمامها ومهما كلف الثمن. ولذلك فإن موقف دول الخليج العربي من هذه القضية –التي باتت تشغل بال العالم كله- حرج للغاية.. فلا أحد يستمع لنداءات التهدئة وتحكيم العقل والحوار بين كلا الفريقين اللذين يقتربان شيئاً فشيئاً من إشعال المنطقة بحرب كارثية جديدة لن تبقي ولن تذر كما يقولون.. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن الشيء الذي يمكنه المساعدة في تثبيت منطق العقل وسيادة لغة الحوار بدلاً من لغة العنف والصراع هو توفر عامل الثقة بين إيران ومحيطها الجغرافي العربي والإسلامي، وهذا أمر مفقود تماماً بينهما.. فمن جهة لا يوجد أدنى ثقة متبادلة بين إيران ودول الخليج التي سبق لها –كما تقول- أن اكتوت بنار تصدير الثورة الإسلامية، ودعوات التبليغ الديني الإيراني، ومحاولات التدخل الدائمة في شؤونها الداخلية تحت ستار الدين والدعوة والأعمال الخيرية، الأمر الذي تسبب في إحداث قلاقل واضطرابات دينية وسياسية عديدة في غير بلد عربي هنا وهناك.. كما أن هناك ملفاً شائكاً آخر قابل للتفجر في أية لحظة هو ملف الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، وهذا ما قلل من عامل الثقة بين ضفتي الخليج، وزاد من منسوب الشك والحذر العربي تجاه المحاولات الإيرانية الدؤوبة للحصول على السلاح النووي، ولم تستطع إيران إقناع دول الخليج بدعم قضيتها النووية التي تقتصر –كما يسوق الإيرانيون- على الاستخدامات السلمية فقط. أما على جبهة الدول الغربية فعامل الثقة مع إيران ليس فقط غير موجود منذ العام 1979م، بل هناك أيضاً حالة حرب خفية غير معلنة بينهما.. ويبدو أن مناخات وتحضيرات انتقالها إلى حرب معلنة (اقتصادية وسياسية وربما عسكرية) باتت شبه مؤكدة، مما يجعل إيران حالياً واقفة على مفترق طرق حاسم وخطر وليس أمامها سوى طريق واحد ووحيد (من تلك الطرق) وهو أن تعيد الاعتبار لنداء العقل ومصلحة شعوبها ومستقبل أجيالها وحقهم في التطور والتنمية والعيش الكريم إلى جانب باقي شعوب المنطقة. ولا حاجة للتذكير هنا برفضنا وجود سلاح نووي في منطقتنا العربية عند أي جهة كانت.. لأن ذلك سيفتح سعير النار النووية، وستسعى عند ذلك كل دول المنطقة لشراء التقنية والأسلحة النووية مما سيحول أراضينا وساحاتنا إلى قنابل موقوتة معدة للانفجار في أي وقت... ويأتي رفضنا في المقام الأول موجهاً ضد إسرائيل.. أما بالنسبة لإيران فالوضع مختلف تماماً، لأنها دولة جارة وصديقة وعلاقاتنا معها تاريخية، ويجمعنا معها دين واحد وفضاء ثقافي مشترك، بقطع النظر عن الاختلافات هنا وهناك.. ونحن نرغب كعرب بإقامة أحسن وأوثق الصلات الثقافية والسياسية والاقتصادية معها بما يحقق المصلحة المتبادلة والمتكافئة بيننا، وبما يضمن حقوق الجانبين في العيش المشترك الآمن والهادئ القائم على التشاركية والتبادلية والتواصلية والندية الحضارية من خلال الحوار والتفاهم والتنسيق في كل ما يتصل بملفات المنطقة على المستوى السياسي والاستراتيجي.. والبداية هنا ينبغي أن تأتي من إيران من خلال سحب البساط من تحت أرجل المتطرفين، وأصحاب العقول الحربية الحارة، في كل من واشنطن والقدس المحتلة، وذلك بالموافقة على تبني الخيار السلمي والإيقاف المؤقت لبرنامج التخصيب النووي كما تطلب الدول الكبرى.. والانحناء أمام العاصفة ليس تنازلاً بمقدار ما هو إدراك ووعي عميق بصعوبة وتعقيد المرحلة القائمة (وقد عودتنا السياسة الإيرانية سابقاً في زمن خاتمي ورفسنجاني على هذا التعاطي البراغماتي المسؤول مع قضايا ومتغيرات السياسة الدولية)، وبذلك تعطي إيران للعرب ورقة قوية بأيديهم يمكن أن تمنحهم زخماً هائلاً للدفاع عنها والوقوف بجانبها في كل المحافل والمسارح السياسية الدولية.. وما عدا ذلك هو لعب على الكلام ولغو فارغ سيهلك أصحابه ويدخل المنطقة برمتها في أتون المجهول الغارق في الفوضى والعبثية والفتن المتنقلة من عالمنا العربي والإسلامي. © معهد كيتو، منبر الحرية، 23 ديسمبر 2008.
|
|||