| إفريقيا: الضحية المقبلة للأزمة العالمية |
|
|
الكاتب/ ريتشارد دبليو. ران
|
|||
|
إن الانخفاضُ الذي حدث مؤخراً على أسعار النفط والسلع الأخرى، جعل من شبه المؤكد أن تصل بعض البلدان غير المستقرة والمُصدِّرة للسلع إلى مرحلة الأزمة في غضون الأشهر القليلة القادمة. السؤال هو فقط أيُّ هذه البلدان ستنفجر فيه الأزمة أولاً؟ يمكن الرهان بثقة على حدوث انفجارٍ في منطقة الشرق الأوسط، ولكن هناك فرصةً كبيرة جداً لأن يحدث الانفجار التالي في إفريقيا، وعلى الأغلب في الكونغو ثم السودان. في أميركا اللاتينية تتجه الأرجنتين نحو انهيار مالي وعجز آخر عن تسديد ديونها بينما يتواصلُ التدهورُ السريع في فنزويلا. وهناك روسيا أيضاً، التي يُرجَّح أنها لن تُحسِن التصرفُ في وقتٍ يمضي فيه اقتصادها نحو ركود شديد. وستتصاعدُ الضغوط على الولايات المتحدة من أجل التدُّخل، خصوصا في إفريقيا، عندما تبدأ المجازر الجماعية مرة أخرى. لقد كانت الأسعارُ المرتفعة للنفط والسلع الرئيسية الأخرى بمثابة غطاءٍ واقٍ خلال السنوات القليلة الماضية، أخفى توتراتٍ متزايدة داخل البلدان المصدِّرة للسلع الرئيسية. أما وقد انخفضت العائداتُ الكبيرة بشدة من هذه الصادرات الآن، فإن القتال سيتصاعد لاقتسام حصصٍ من كعكةٍ يتضاءلُ حجمُها باستمرار. في الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط، بحساب معدل التضخم، من 100 دولار تقريبا للبرميل الواحد عام 1980 إلى 16 دولارا فقط للبرميل عام 1997، كانت الولايات المتحدة ومعظم البلدان الأخرى المستوردة للنفط تتمتع بنموٍ اقتصادي سريع. ولكن عندما ارتفعت الأسعار الحقيقية للنفط، أخذت أضرارُها تظهر على النمو الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة، خصوصاً في السنة الأخيرة عندما تضاعفت أسعار النفط تقريباً. الارتفاعُ السريع في أسعار النفط وَخَزَ فُقاعةُ أسعار العقارات في الولايات المتحدة وأوروبا بأسرعَ مما كان لذلك أن يحدث لو كانت أسعارُ النفط أكثر استقراراً. أدّى انفجارُ أسعار العقارات إلى حدوث الأزمة المالية، لأن كثيراً جداً من الأفراد والمؤسسات بالغوا في الاستدانة انطلاقا من القناعة الحمقاء بأن أسعار العقارات ستمضي قُدُماً في اتجاهٍ تصاعدي. من جهةٍ أخرى، جلبت الزيادةُ الكبيرة في أسعار النفط والسلع الأخرى عائداتٍ غير متوقعة للدول المصَدِّرة. ولكن معظم البلدان الإفريقية المنتجة للنفط والسلع الأخرى، إضافةً لبلدانٍ مثل فنزويلا، أنفقت تقريبا كلَّ ما تلقته وزيادةً فوقه، بعكس النرويج والعديد من البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط. لسنوات طويلة ظلت الأوضاع في الكونغو البلجيكي القديم، الذي أصبح يُعرف الآن بجمهورية الكونغو الديمقراطية، تتسم بعدم الاستقرار. وقد شهد هذا البلد حرباً أهلية بين عامي 1996-1997، ثم حرباً أهلية أخرى بين عامي 1998-2003. ولم يتوقف العنف تماماً رغم وجود أعدادٍ كبيرة من قوات "حفظ السلام" التابعة للأمم المتحدة. تعاني الكونغو من وجود مجوعاتٍ متمردةٍ محلية وإقليمية عديدة، ربما تبلغ 60 مجموعة، وهناك مناطقُ كثيرة في البلاد لا تخضعُ لحكم الدولة بصورة فعلية. وقد تصاعد العنفُ مؤخراً في المناطق الشرقية ووقعت حوادث اشتباكات متزايدة مع وحداتٍ عسكرية من راوندا المجاورة. ويأتي جزء كبير من الدخل في الكونغو من عمليات التعدين التي يتم بعضها بصورة قانونية وبعضها غيرُ قانونية، ومع تراجع العائدات من هذا المصدر بسبب الانخفاض العالمي في أسعار السلع، فإن الحوافز لسرقة الآخرين ستزداد. وفي ضوء التوترات الاقتصادية المتزايدة من جهة والأحقاد العِرْقِية والقَبَليِّة المتنوعة من جهة أخرى، فإنَّ هناك خطراً حقيقياً ومباشراً من أن يؤدي العنفُ المتسارع إلى نشوب حربٍ إقليمية عبر الحدود تنجُمُ عنها خسائر كبيرة في الأرواح. السودان يشهدُ نوعاً من الحرب الأهلية منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1956 تقريباً وحتى الآن. كما أنه شهد سلسلة متواصلة من الاشتباكات مع العديد من الدول المجاورة له. ولعلَّ أكثر ما اشتهرت به حكومة السودان في الخرطوم هو ممارستُها على مدى سنواتٍ عديدة للتطهير العِرْقي في منطقة دارفور. وقد دفعت هذه الأعمال المحكمة الجنائية الدولية إلى توجيه الاتهام إلى الرئيس السوداني عمر البشير الذي أصبح يخشى الآن من القبض عليه. تسيطرُ على السودان أقليةٌ عربية في الشمال وتتمركز في الخرطوم، ومنذ عقود يسعى سكان الجنوب السوداني الأكثر عددا للحصول على الاستقلال، و من المقرر أن يجري استفتاءٌ بهذا الخصوص سنة 2011. وقد نجمَ عن المعارك التي دارت عبر السنين بين عرب الشمال وأهالي الجنوب من غير العرب وقوعُ خسائرَ بشرية بلغت ملايين الضحايا، وهي أعدادٌ تفوقُ بكثير الضحايا الذين سقطوا في دارفور. هناك احتياطات نفطية ضخمة في جنوب السودان، ويجري شحن الإنتاج إلى الشمال للتصدير. وتبقى معظم العائدات من النفط في الشمال في حوزة الحكومة التي يهيمن عليها العرب. وقد تمتع السودان بنسبة نمو مرتفعة جدا في السنوات الأخيرة، رغم أن معظم أرجاء البلاد تعاني من فقرٍ شديد. الشماليون تقاسموا عائدات النفط مع الجنوب بما يكفي لضمان وقفٍ مؤقت لإطلاق النار، ولكن كلا الطرفين يواصلان التسلُّح، وهناك، وعلى سبيل المثال، ما يدلُّ على أن السفينة الأوكرانية، التي كانت مُحمَّلةً بدباباتٍ وأسلحة من أيام العهد السوفيتي والتي سيطر عليها القراصنة الصوماليون مؤخراً، كانت متوجهة إلى السودانيين الجنوبيين (الذين استطاعوا ضمان تعاون جيش كينيا المجاور). السؤالُ الآن، وفي ضوء تراجع أسعار النفط هو، هل تقبل حكومة الخرطوم عائداتٍ أقل مقابل عدم دفع الجنوبيين إلى إشعال حربٍ أهلية أخرى؟ وحتى لو قبلوا بذلك فإلى متى سيستطيعون السيطرة على الأمور؟ الأسعارُ المرتفعة للنفط والسلع لم تحقق فقط نمواً اقتصادياً حقيقياً في إفريقيا خلال العقد الأخير، ولكنها أيضا مكَّنت العديد من المجموعات السياسية والميليشيات المختلفة من الحصول على الأسلحة وتخزينها مدفوعةً بإدراكها بأنه ليس من المحتمل أن يكون السلام دائماً. الآن، ومع احتمالات الانخفاض الشديد في عائدات النفط والسلع الأخرى على بلدان القارة، فمن المتوقع أن يعمد كثيرون إلى المحافظة على دخلهم النفطي عن طريق انتزاعه من مجموعة أخرى. وستتجددُ المجازرُ الجماعية على الأرجح، وستتعرضُ البلدان الغربية للضغط من أجل التدخُّل. ولكن محاولة إيجاد قبعاتٍ بيضاءَ حقيقية، في حين أن معظم القبعات على الساحة هي أطيافٌ متنوعة من اللونين الرمادي والأسود، سيُشكِّلُ تحدِّيَاً عند اختيار الجهة التي ينبغي دعْمُها. الساعونَ للخير، شأنهم شأن الوسطاء الآخرين حسني النية، قد يجدون على الأرجح أن الهدف قد أصبح مُكْلِفاً ومستعصياً على الفهم. © معهد كيتو، منبر الحرية، 28 ديسمبر 2008.
|
|||